قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى كُلِّ قَلْبِ) : يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ. وَ (مُتَكَبِّرٍ) : صِفَةٌ لَهُ؛ وَالْمُرَادُ صَاحِبُ الْقَلْبِ. وَيُقْرَأُ بِالْإِضَافَةِ، وَإِضَافَةُ «كُلِّ» إِلَى الْقَلْبِ يُرَادُ بِهَا عُمُومُ الْقَلْبِ لِاسْتِيعَابِ كُلِّ قَلْبٍ بِالطَّبْعِ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى كَقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) : هُوَ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ.
(فَأَطَّلِعَ) - بِالرَّفْعِ - عَطْفًا عَلَى أَبْلَغُ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ؛ أَيْ إِنْ تَبْنِ لِي أَطَّلِعَ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ جَوَابُ لَعَلِّي؛ إِذْ كَانَ فِي مَعْنَى التَّمَنِّي.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَدْعُونَنِي) : الْجُمْلَةُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا بَدَلٌ، أَوْ تَبْيِينٌ لِتَدْعُونَنِي الْأَوَّلِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «أَقُولُ».
قَالَ تَعَالَى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا) : فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مُبْتَدَأٌ وَ «يُعْرَضُونَ» : خَبَرُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ «سُوءِ الْعَذَابِ».
وَيَقْرَأُ بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ «يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا» تَقْدِيرُهُ: يُصْلَوْنَ النَّارَ وَنَحْوَ
ذَلِكَ، وَلَا مَوْضِعَ لِيُعْرَضُونَ عَلَى هَذَا، وَعَلَى الْبَدَلِ مَوْضِعُهُ حَالٌ؛ إِمَّا مِنَ النَّارِ، أَوْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ.
(أَدْخِلُوا) : يُقْرَأُ بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ؛ أَيْ يُقَالُ: لِآلِ فِرْعَوْنَ؛ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: يَا آلَ فِرْعَوْنَ. وَيُقْرَأُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ؛ أَيْ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَطُوفًا عَلَى «غُدُوًّا» وَأَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَاذْكُرْ. وَ (تَبَعًا) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ اسْمِ الْفَاعِلِ. وَ (نَصِيبًا) مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مُغْنُونَ، تَقْدِيرُهُ: هَلْ أَنْتُمْ دَافِعُونَ عَنَّا أَوْ مَانِعُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ، كَمَا كَانَ شَيْءٌ كَذَلِكَ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) [آلِ عِمْرَانَ: ١٠] فَشَيْئًا فِي مَوْضِعِ غَنَاءٍ؛ فَكَذَلِكَ نَصِيبًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوَا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا؛ أَيْ يُخَفِّفْ عَنَّا فِي يَوْمٍ شَيْئًا مِنَ الْعَذَابِ؛ فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. وَعَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مِنْ» زَائِدَةً؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا؛ أَيْ عَذَابَ يَوْمٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا) :[الْبَقَرَةِ: ٤٨] أَيْ عَذَابَ يَوْمٍ.
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَنْفَعُ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ «يَوْمَ يَقُومُ».
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا الْمُسِيءُ) :«لَا» زَائِدَةٌ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي