أجود، وهي قراءة المدنيين وَيَعْلَمَ الَّذِينَ «١» على أنه مقطوع مما قبله مرفوع، والنصب عنده بعيد، وهي قراءة الكوفيين، والصحيحة من قراءة أبي عمرو، وشبّهه سيبويه في البعد بقول الشاعر: [الوافر] ٤٠٢-
| سأترك منزلي لبني تميم | وألحق بالحجاز فأستريحا |
| ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى | مصارع أقوام مجرّا ومسحبا |
| وتدفن منه الصّالحات وإن يسيء | يكن ما أساء النّار في رأس كبكبا |
وهما لا يتجانسان ولا يشتبهان لأن «ويعلم» جواب لما فيه النفي فالأولى به النصب وقوله جلّ وعزّ: وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ ليس بجواب فيجب نصبه، وموضع الذين في قوله «ويعلم النّاس» موضع رفع بعلم.
[سورة الشورى (٤٢) : آية ٣٦]
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)
وَما عِنْدَ اللَّهِ مبتدأ وخَيْرٌ خبره وَأَبْقى معطوف على خير لِلَّذِينَ آمَنُوا خفض باللام.
[سورة الشورى (٤٢) : آية ٣٧]
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)
وَالَّذِينَ في موضع خفض معطوف على «للذين آمنوا» يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ هذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي كَبائِرَ الْإِثْمِ»
والقراءة الأولى أبين لأنه إذا قرأ كبير توهّم أنه واحد أكبرها، وليس المعنى على ذلك عند أحد من أهل التفسير إلّا شيئا قاله الفراء «٥» فعكس فيه قول
(٢) الشاهد للمغيرة بن حبناء في خزانة الأدب ٨/ ٥٢٢، والدرر ١/ ٢٤٠، وشرح شواهد الإيضاح ص ٢٥١، وشرح شواهد المغني ٤٩٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٠، وبلا نسبة في الكتاب ٣/ ٣٩، والدرر ٥/ ١٣٠، والردّ على النحاة ص ١٢٥، ورصف المباني ص ٣٧٩، وشرح الأشموني ٣/ ٥٦٥، وشرح المفصّل ٧/ ٥٥، والمحتسب ١/ ١٩٧، ومغني اللبيب ١/ ١٧٥، والمقتضب ٢/ ٢٤، والمقرب ١/ ٢٦٣.
(٣) مرّ الشاهد رقم ٣١٧.
(٤) انظر تيسير الداني ١٥٨، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨١.
(٥) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٥.
أهل التفسير، قال: «كبير الإثم» الشرك قال: وكبائر يراد بها كبير، وهذا معكوس إنما يقال: كبير يراد به كبائر. يكون واحدا يدلّ على جمع، وزعم أنه يستحبّ لمن قرأ «كبائر الإثم» أن يقرأ «والفواحش» فيخفض، والقراءة بهذا مخالفة بحجّة الإجماع وأعجب من هذا أنه زعم أنه يستحبّ القراءة به ثم قال: ولم أسمع أحدا قرأ به.
والأحاديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الكبائر معروفة كثيرة وعن الصحابة وعن التابعين. ونحن نذكر من ذلك ما فيه كفاية لتبيين هذا. ونبيّن معنى الكبائر والاختلاف فيه إذا كان مما لا يسع أحدا جهله. ونبدأ بما صحّ فيها عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم مما لا مطعن في إسناده وتوليه من قول الصحابة والتابعين وأهل النظر بما فيه كفاية إن شاء الله. فمن ذلك ما حدّثناه محمد بن إدريس بن أسود عن إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا وهب بن جرير قال:
حدّثنا شعبة عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أكبر الكبائر الإشراك بالله جلّ وعزّ وعقوق الوالدين المسلمين وقتل النفس وشهادة الزّور أو قول الزور» «١» وقرئ على أحمد بن شعيب عن عبدة بن عبد الرحيم قال أخبرنا ابن شميل قال: حدّثنا شعبة قال: حدّثنا فراس قال: سمعت الشّعبي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «الكبائر الإشراك بالله جلّ وعزّ وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس» «٢» قال أحمد: وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم ثنا بقيّة حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معد أن أبا رهم السّماعي حدّثه عن أبي أيوب وهو خالد بن زيد الأنصاري بدريّ عقبيّ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من جاء لا يشرك بالله شيئا ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان واجتنب الكبائر فإنه في الجنة» «٣» فسئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الكبائر قال: فقال: «الإشراك بالله جلّ وعزّ وقتل النفس المسلمة والفرار يوم الزحف» قال أحمد: أخبرنا عمرو بن علي قال: حدّثنا يحيى قال: حدّثنا سفيان عن الأعمش ومنصور عن أبي وائل عن أبي ميسرة عن عبد الله قال: قلت يا رسول الله أيّ الذنوب أعظم قال: «أن تجعل لله جلّ وعزّ ندّا وهو خلقك». قلت: ثمّ أيّ. قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك». قلت: ثمّ أيّ. قال: «أن تزني بحليلة جارك» «٤» قال أبو جعفر: فهذه أسانيد مستقيمة وفي حديث أبي أمامة زيادة على ما فيها من الكبائر فيه: أكل مال اليتيم وقذف المحصنة والغلول والسحر وأكل الربا فهذا جميع ما نعلمه، روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الكبائر مفصلا مبينا فأما الحديث المجمل فالذي رواه أبو سعيد
(٢) أخرجه الترمذي في سننه- البر والصلة ٨/ ٩٧، والدارمي في سننه- الديات ٢/ ١٩١.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٤١٣، والمتقي في كنز العمال ٢٧٦.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٢١٧، وابن ماجة في سننه- الديات- الحديث رقم (٢٦١٨). [.....]
إعراب القرآن
أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المصري النحوي