وَيَجُوزُ أَنَّ تَكُونَ «هَذِهِ» صِفَةً، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ وَثَمَّ أُخْرَى. وَ (سُنَّةَ اللَّهِ) : قَدْ ذُكِرَ فِي سُبْحَانَ.
قَالَ تَعَالَى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْهَدْيَ) : هُوَ مَعْطُوفٌ؛ أَيْ وَصَدُّوا الْهَدْيَ. وَ (مَعْكُوفًا) : حَالٌ مِنَ الْهَدْيِ. وَ (أَنْ يَبْلُغَ) : عَلَى تَقْدِيرِ: مِنْ أَنْ يَبْلُغَ، أَوْ عَنْ أَنْ يَبْلُغَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْهَدْيِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ؛ أَيْ صَدُّوا بُلُوغَ الْهَدْيِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَطَؤُهُمْ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنْ «رِجَالٌ» بَدَلَ الِاشْتِمَالِ؛ أَيْ وَطْءَ رِجَالٍ بِالْقَتْلِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي «تَعْلَمُوهُمْ» أَيْ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ وَطْأَهُمْ؛ فَهُوَ اشْتِمَالٌ أَيْضًا، وَلَمْ تَعْلَمُوهُمْ صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ. (فَتُصِيبَكُمْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى «تَطَؤُوا». وَ «بِغَيْرِ عِلْمٍ» : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، أَوْ صِفَةٌ لِمَعَرَّةٍ.
(لَعَذَّبْنَا) : جَوَابُ لَوْ تَزَيَّلُوا، وَجَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ أَغْنَى عَنْهُ جَوَابُ لَوْ.
قِيلَ: هُوَ جَوَابُهُمَا جَمِيعًا.
وَقِيلَ: هُوَ جَوَابُ الْأَوَّلِ. وَجَوَابُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) : هُوَ بَدَلٌ؛ وَحَسُنَ لَمَّا أُضِيفَ إِلَى مَا حَصَّلَ مَعْنًى، فَهُوَ كَصِفَةِ النَّكِرَةِ الْمُبْدَلَةِ.
وَ (كَلِمَةَ التَّقْوَى) : أَيِ الْعَمَلَ، أَوِ النُّطْقَ، أَوْ الِاعْتِقَادَ، فَحُذِفَ لِفَهْمِ الْمَعْنَى.
قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْحَقِّ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِصَدَقَ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الرُّؤْيَا.
(لَتَدْخُلُنَّ) : هُوَ تَفْسِيرُ الرُّؤْيَا. أَوْ مُسْتَأْنَفٌ؛ أَيْ وَاللَّهِ لَتَدْخُلُنَّ. وَ (آمِنِينَ) : حَالٌ، وَالشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ مُسَدَّدٌ. وَ (مُحَلِّقِينَ) : حَالٌ أُخْرَى، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي آمِنِينَ. (لَا تَخَافُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُؤَكِّدَةً، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا؛ أَيْ لَا تَخَافُونَ أَبَدًا.
قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْهُدَى) : هُوَ حَالٌ، أَيْ أَرْسَلَهُ هَادِيًا.
قَالَ تَعَالَى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُحَمَّدٌ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ. وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: «رَسُولُ اللَّهِ» فَيَتِمُّ الْوَقْفُ إِلَّا أَنْ تَجْعَلَ «الَّذِينَ» فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ؛ أَيْ وَرَسُولِ الَّذِينَ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ «أَشِدَّاءُ» أَيْ هُمْ أَشِدَّاءُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «رَسُولُ اللَّهِ» صِفَةً، وَ «الَّذِينَ» مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُبْتَدَأِ، وَ «أَشِدَّاءُ» الْخَبَرُ. وَ (رُحَمَاءُ) : خَبَرٌ ثَانٍ، وَكَذَلِكَ «تَرَاهُمْ» وَ «يَبْتَغُونَ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «تَرَاهُمْ» مُسْتَأْنَفًا.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي