وَ (كَلِمَةَ التَّقْوَى) : أَيِ الْعَمَلَ، أَوِ النُّطْقَ، أَوْ الِاعْتِقَادَ، فَحُذِفَ لِفَهْمِ الْمَعْنَى.
قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْحَقِّ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِصَدَقَ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الرُّؤْيَا.
(لَتَدْخُلُنَّ) : هُوَ تَفْسِيرُ الرُّؤْيَا. أَوْ مُسْتَأْنَفٌ؛ أَيْ وَاللَّهِ لَتَدْخُلُنَّ. وَ (آمِنِينَ) : حَالٌ، وَالشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ مُسَدَّدٌ. وَ (مُحَلِّقِينَ) : حَالٌ أُخْرَى، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي آمِنِينَ. (لَا تَخَافُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُؤَكِّدَةً، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا؛ أَيْ لَا تَخَافُونَ أَبَدًا.
قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْهُدَى) : هُوَ حَالٌ، أَيْ أَرْسَلَهُ هَادِيًا.
قَالَ تَعَالَى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُحَمَّدٌ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ. وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: «رَسُولُ اللَّهِ» فَيَتِمُّ الْوَقْفُ إِلَّا أَنْ تَجْعَلَ «الَّذِينَ» فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ؛ أَيْ وَرَسُولِ الَّذِينَ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ «أَشِدَّاءُ» أَيْ هُمْ أَشِدَّاءُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «رَسُولُ اللَّهِ» صِفَةً، وَ «الَّذِينَ» مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُبْتَدَأِ، وَ «أَشِدَّاءُ» الْخَبَرُ. وَ (رُحَمَاءُ) : خَبَرٌ ثَانٍ، وَكَذَلِكَ «تَرَاهُمْ» وَ «يَبْتَغُونَ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «تَرَاهُمْ» مُسْتَأْنَفًا.
وَيُقْرَأُ (أَشِدَّاءَ)، وَ (رُحَمَاءَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي الظَّرْفِ، وَهُوَ «مَعَهُ» وَسُجَّدًا: حَالٌ ثَانِيَةٌ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «رُكَّعًا» مُقَدَّرَةٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «يَبْتَغُونَ» حَالًا ثَالِثَةً.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سِيمَاهُمْ) : هُوَ فِعْلٌ مَنْ سَامَ يَسُومُ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مُسَوِّمِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٢٥] وَ (فِي وُجُوهِهِمْ) : خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَ «مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ) : إِنْ شِئْتَ عَطَفْتَهُ عَلَى الْمَثَلِ الْأَوَّلِ؛ أَيْ هَذِهِ صِفَاتُهُمْ فِي الْكِتَابَيْنِ؛ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أَيْ هُمْ كَزَرْعٍ؛ أَوْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ؛ أَيْ مُمَاثِلِينَ؛ أَوْ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ تَمْثِيلًا كَزَرْعٍ.
وَ (شَطْأَهُ) بِالْهَمْزِ، وَبِغَيْرِ هَمْزٍ وَلَا أَلِفٍ؛ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَلْقَى حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى الطَّاءِ وَحَذَفَهَا. وَيُقْرَأُ بِالْأَلْفِ عَلَى الْإِبْدَالِ، وَبِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ، وَهِيَ لُغَةٌ.
وَ (عَلَى سُوقِهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ قَائِمًا عَلَى سُوقِهِ، وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفًا.
وَ (يُعْجِبُ) : حَالٌ. وَ (مِنْهُمْ) : لِبَيَانِ الْجِنْسِ تَفْضِيلًا لَهُمْ بِتَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي