ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ

١٦٢ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الإمام أحمد عن عيسى ابن دينار قال: حدثنا أبي أنه سمع الحارث بن أبي ضرارٍ الخزاعي، قال: قدمت على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فدعاني إلى الإسلام، فدخلتُ فيه وأقررتُ به، فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول اللَّه أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعتُ زكاته فيُرسل إليَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رسولاً لإبّان كذا وكذا ليأتيك ما جمعتُ من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان الذي أراد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول، فلم يأته، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورسوله، فدعا بسروات قومه فقال لهم: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان وقّت لي وقتًا يُرسل إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطةٍ كانت فانطلقوا فنأتي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبعث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع فأتى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال: يا رسول اللَّه إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي.

صفحة رقم 917

فضرب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه إذا استقبل البعث وفصل من المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث. فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (منعت الزكاة وأردت قتل رسولي) قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيتُه ولا أتاني، وما أقبلتُ إلا حين احتبس عليَّ رسولُ رسولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، خشيت أن تكون كانت سخطةً من الله - عَزَّ وَجَلَّ - ورسوله. قال: فنزلت الحجرات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) إلى هذا المكان (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد أورد ابن كثير الحديث بنصه

صفحة رقم 918

وسائر المفسرين ذكروا أحاديث أخرى مشابهة في قصة الوليد بن عقبة بن أبي معيط منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي والشنقيطي وابن عاشور.
قال الطبري: (وذُكر أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط) اهـ.
قال ابن عطية: (سببها أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقًا) اهـ.
قال ابن كثير: (وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على صدقات بني المصطلق) اهـ.
وقال الشنقيطي: (نزلت هذه الآية الكريمة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقد أرسله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتيهم بصدقات أموالهم. فلما سمعوا به تلقوه فرحاً به، فخاف منهم وظن أنهم يريدون قتله فرجع إلى نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وزعم له أنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتله، فقدم وفد منهم إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبروه بكذب الوليد فأنزل الله هذه الآية). اهـ.
وقال ابن عاشور: (وقد تضافرت الروايات عند المفسرين عن أم سلمة وابن عبَّاسٍ والحارث بن ضرار الخزاعي أن هذه الآية نزلت عن سبب قضية حدثت وذلك أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة). اهـ.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور وإن كان في إسناده مقال، إلا أن شهرته فاقت إسناده واحتج به المفسرون أجمع ولفظه يوافق سياق القرآن، فلعل الحديث لهذه الأسباب يكون سبب نزولها والله أعلم.

صفحة رقم 919

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

عرض الكتاب
المؤلف

خالد بن سليمان المزيني

عدد الأجزاء 1