يُؤفكُ عنه مَن أُفك يُصرف عن القرآن، أو عن الرسول، مَن ثبت له الصرف الحقيقي، الذي لا صرف أفظع وأشد منه، فكأنّ لا صرف حقيقة إلا لهذا الصرف، أي : يُصرف عن الإيمان مَن صُرف عن كل سعادةٍ وخير، أو : يُصرف عن الإيمان مَن صُرف في سابق الأزل.
قلت : والأظهر أن يرجع لما قبله، أي : يُصرف عن هذا القول المختلف مَن صُرف في علم الله تعالى، وسَبقت له العناية، يقول : أفكه عن كذا : صرفه عنه، وإن كان الغالب استعماله في الصرف عن الخير إلى الشر، لكنه عُرفي، لا لغوي. والله تعالى أعلم.
مذاهبُ الناسِ على اختلاف ومذهبُ القوم على ائتلاف
وقال الشاعر :
يُؤفك عن هذا الاختلاف مَن صُرف في سابق العناية، أو مَن صُرف من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح. قُتل الخراصُون ؛ المعتمدون على ظنهم وحدسهم، فعلومهم جُلها مظنونة، وإيمانهم غيبي، وتوحيدهم دليلي من وراء الحجاب، لا يَسلم من طوارق الاضطراب، الذين هم في غمرة ؛ أي : في غفلة وجهل وضلالة - ساهون عما أُمروا به من جهاد النفوس، والسير إلى حضرة القدوس، أو ساهون غائبون عن مراتب الرجال، لا يعرفون أين ساروا، وفي أيّ بحار سَبَحوا وغاصوا، كما قال شاعرهم :عباراتهم شتى وحُسْنُك واحدٌ وكُلٌّ إلى ذاك الجمال يُشير
يسألون أيّان يومُ الدين ؛ لطول أملهم، أو يسألون أيَّان يوم الجزاء على المجاهدة. قال تعالى : هو يوم هم أي : أهل الغفلة - على نار القطيعة أو الشهوة يُفتنون بالدنيا وأهوالها، والعارفون منزَّهون في جنات المعارف. ويقال للغافلين : ذُوقوا وبال فتنتكم، وهو الحجاب وسوء الحساب، هذا الذي كنتم به تستعجلون، بإنكاركم على أهل الدعوة الربانيين، فتستعجلون الفتح من غير مفتاح، تطلبون مقام المشاهدة من غير مجاهدة، وهو محال في عالم الحكمة١. وبالله التوفيق. تركنا البحورَ الزاخراتِ وراءنا فمن أين يدري الناسُ أين توجهنا ؟
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي