يعطي أحد أحدا شيئا إلا بإذنه ولا يمنعه إلا بمشيئته. وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ أن ذلك كذا، فلهذا يقولون: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضوا.
[سورة المنافقون (٦٣) : آية ٨]
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨)
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وحكى الكسائي والفرّاء «١» أنه يقرأ لنخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ «٢» بالنون وأن ذلك بمعنى لنخرجنّ الأعز منها ذليلا، وحكى الفرّاء: ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، بمعنى ذليلا أيضا وأكثر النحويين لا يجيز أن تكون الحال بالألف واللام غير أن يونس أجاز: مررت به المسكين، وحكى سيبويه «٣» : دخلوا الأوّل فالأوّل، وهي أشياء لا يجوز أن يحمل القرآن عليها إلّا أن علي بن سليمان قال: يجوز أن يكون «ليخرجنّ» تعمل عمل لتكونن فيكون خبره معرفة، والأعز والعزيز واحد أي القوي الأمين المنيع كما قال: [الطويل] ٤٨٧-
| إذا ابتدر القوم السّلاح وجدتني | عزيزا إذا بلّت بقائمة يدي |
[سورة المنافقون (٦٣) : آية ٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩)
أي لا توجب لكم اللهو كأنّه من ألهيته فلهي، كما قال: [الطويل] ٤٨٨-
| ومثلك حبلى قد طرقت ومرضع | فألهيتها عن ذي تمائم محول |
[سورة المنافقون (٦٣) : آية ١٠]
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ قيل: دلّ بهذا على أنه لا يقال رزقه الله جلّ وعزّ إلّا
(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٧٠.
(٣) انظر الكتاب ١/ ٤٦٦.
(٤) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه ص ٣٨، وكتاب العين ٨/ ٣١٩، وتاج العروس (بلل) وأساس البلاغة (بلل).
(٥) مرّ الشاهد رقم (٣٨٥).
الحلال مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ جواب وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ عطف على موضع الفاء لا على ما بعد الفاء، وقرأ الحسن وابن محيصن وأبو عمرو وأكون «١» بالنصب عطفا على ما بعد الفاء وقد حكي أنّ ذلك في قراءة أبيّ وابن مسعود كذا وأكون إلّا أنه مخالف للسواد الذي قامت به الحجّة، وقد احتج بعضهم فقال: الواو تحذف من مثل هذا كما يقال: «كلمن» فتكتب بغير واو.
وحكي عن محمد بن يزيد معارضة هذا القول بأن الدليل على أنه ليس بصحيح أنّ كتب المصحف في نظيره على غير ذلك نحو يكون وتكون ونكون كلها بالواو في موضع الرفع والنصب ولا يجوز غير ذلك، وقال غيره: حكم «كلمن» غير هذا لأنه إنما حذف منه الواو لأنهم إنما أرادوا أن يروا أن صورة الواو متصلة فلما تقدّمت في «هوّز» لم تحتج إلى إعادتها وكذلك لم يكتبوها في قولهم «أبجد» فأما في الكلام فلا يجوز من هذا شيء، ولا يحتاج إليه لأن العطف على الموضع موجود في كلام العرب كثير. قال سيبويه: لو لم تكن الفاء لكان مجزوما يعني لأنه جواب الاستفهام الذي فيه معنى التمني، كما قال أنشد غير سيبويه: [الوافر] ٤٨٩-
| فأبلوني بليّتكم لعلّي | أصالحكم وأستدرج نويّا |
| فإن لم تجد من دون عدنان والدا | ودون معدّ فلتزعك العواذل |
| معاوي إنّنا بشر فأسجح | فلسنا بالجبال ولا الحديدا |
(٢) الشاهد لأبي دؤاد الإيادي في ديوانه ٣٥٠، والخصائص ١/ ١٧٦، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٧٠١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٣٩، وللهذليّ في مغني اللبيب ٢/ ٤٧٧، وبلا نسبة في لسان العرب (علل)، ومغني اللبيب ٢/ ٤٢٣.
(٣) الشاهد للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٢٥٥، والكتاب ١/ ١١٤، وأمالي المرتضى ١/ ١٧١، وخزانة الأدب ٢/ ٢٥٢، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ١٣١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٢، وشرح شواهد المغني ١/ ١٥١، والمعاني الكبير (١٢١١)، والمقاصد النحوية ١/ ٨، والمقتضب ٤/ ١٥٢، وبلا نسبة في رصف المباني ص ٨٢، وشرح التصريح ١/ ٢٨٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٦٦، والمحتسب ٢/ ٤٣، ومغني اللبيب ٢/ ٤٧٢.
(٤) الشاهد لعقبة أو لعقيبة الأسدي في الكتاب ١/ ١١٣، والإنصاف ١/ ٣٣٢، وخزانة الأدب ٢/ ٢٦٠، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ١٣١، وسمط اللآلي ص ١٤٨، وشرح أبيات سيبويه ٣٠٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٧٠، ولسان العرب (غمز)، ولعمر بن أبي ربيعة في الأزمنة والأمكنة ٢/ ٣١٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٣١٣، وأمالي ابن الحاجب ص ١٦٠، ورصف المباني ١٢٢. [.....]
إعراب القرآن
أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المصري النحوي