الآية ٦ : وقوله تعالى : فلم يزدهم دعائي إلا فرارا أصل هذا أن عداوتهم كانت قد استبدت بنوح عليه السلام وكانوا قد استثقلوه، وأبغضوا كلامه، فحدث لهم ببغضهم١ كلامه واستثقالهم إياه معنى حملهم على الفرار، فنسب ذلك إلى الدعاء ؛ لأن حدوث ذلك المعنى كان عند وجود الدعاء، فنسبه٢ إلى الدعاء على معنى المجاورة والقرب لا أن يكون الدعاء في الحقيقة سببا لزيادة الفرار، وهو كقوله تعالى : وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم [ التوبة : ١٢٥ ] والقرآن لم يجعل سببا لزيادة الرجس، ولكنهم لما أحدثوا بغضا عندما تلي عليهم القرآن، فحدث لهم بذلك معنى حملهم على ذلك الوجه، فأضيفت تلك الزيادة إلى القرآن، إذ عند ذلك حدث ذلك السبب الزائد في الرجس، فنسب إليه على معنى المجاورة، وكقوله٣ تعالى : فاتخذتموه سخريا حتى أنسوكم ذكري [ المؤمنون ١١٠ ] وهم لم يكونوا ناسين٤، بل كانوا ذاكرين٥، يذكرونهم مرة بعد مرة، لكن بغضهم إياهم واتخاذهم سخريا أوقع لهم النسيان، فنسب إليهم الإنساء٦.
فعلى ذلك لما أبغضوا، واستثقلوا كلامه ودعاءه أحدث لهم ذلك البغض زيادة نفار وجحود. ثم سبب النفار إلى الدعاء الوجه الذي ذكرنا لا٧ أن يكون الدعاء في الحقيقة منفرا٨.
٢ الهاء ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: وقال..
٤ في الأصل و م: منسيين..
٥ في الأصل و م: مذكورين..
٦ في الأصل و م: الأشياء..
٧ في الأصل و م: إلا..
٨ في الأصل و م: منفر..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم