تمهيد :
تفيد كتب الحديث والسيرة أن هذه الآيات نزلت في شخص معيّن هو الوليد بن المغيرة، وقد سمع القرآن الكريم فتأثر به، وذهب إلى قومه من بني مخزوم فقال : والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله، فقال قريش : صبأ والله الوليد، ولتصبونّ قريش كلها، فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه، فانطلق حتى جلس إلى جنب الوليد حزينا، فقال الوليد : ما لي أراك حزينا يا ابن أخي ؟ فقال : وما يمنعني أن أحزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر سنك، ويزعمون أنك زينت كلام محمد، وأنك تدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامكم ؟ فغضب الوليد وقال : ألم تعلم قريش أني أكثرهم مالا وولدا ؟ وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام ؟ ثم أتى مجلس قومه مع أبي جهل فقال لهم : تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق قط ؟ قالوا : اللهم لا، قال : تزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه قط تكهّن ؟ قالوا : اللهم لا، قال : تزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه ينطق بشعر قط ؟ قالوا : اللهم لا، قال : تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئا من الكذب ؟ قالوا : اللهم لا ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأيمن قبل النبوة لصدقه ) ثم قالوا : فما هو ؟ قال : ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، فهو ساحر، وما يقوله سحر يأثره من مسيلمة وأهل بابل، فارتجّ النادي فرحا، وتفرقوا معجبين بقوله، متعجبين منه، فنزلت هذه الآيات.
وقد كان الوليد يسمى الوحيد، لأنه وحيد في قومه، فماله كثير، فيه الزرع والضّرع والتجارة، وكان له بين مكة والطائف إبل وخيل ونعم، وعبيد وجوار، وله عشرة أبناء يشهدون المحافل والمجامع، أسلم منهم ثلاثة : خالد، وهشام، والوليد، وقد يسط الله له الرزق، وطال عمره مع الجاه العريض والرياسة في قومه، وكان يسمى ريحانة قريش.
المفردات :
عليها تسعة عشر : يتولى أمر النار، ويلي تعذيب أهلها تسعة عشر ملكا، أو صفّا، أو صنفا.
التفسير :
٢٦، ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠- سأصليه سقر* وما أدراك ما سقر* لا تبقي ولا تذر* لوّاحة للبشر* عليها تسعة عشر.
أي : سأدخله جهنم، وسأغمره فيها من جميع جهاته.
وسقر من أسماء النار، وإنما سميت جهنم سقر من : سقرته الشمس، إذا أذابته ولوّحته، وأحرقت جلد وجهه.
وما أدراك ما سقر.
أي شيء أعلمك ما سقر، والمراد : تعظيم هولها وآلامها، ومما يصيب الكافرين من ألوان عذابها.
لا تبقي ولا تذر.
لا تترك في الكافرين عظما ولا لحما، ولا دما ولا شيئا إلا أهلكته، فهي تبلع بلعا، وتمحو محوا، ولا يقف لها شيء، ولا يبقى وراءها شيء، ولا يفضل منها شيء، ثم يعاد أهلها خلقا جديدا، فلا تتركهم بل تعاود إحراقهم بأشد مما كانت.
قال تعالى : كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب... ( النساء : ٥٦ ).
وتبرز جهنم لأهلها لترهبهم بعذابها، قال تعالى : وبرّزت الجحيم للغاوين. ( الشعراء : ٩١ ).
لوّاحة للبشر.
تلفح الجلد لفحة فتدعه أسود من الليل، وتنزل الآلام بالجلود، ويبدّل الله الجلود ليذوق أهلها العذاب.
عليها تسعة عشر.
يحرس جهنم زبانية أشداء أقوياء، عددهم تسعة عشر ملكا، أو صفّا أو صنفا، والجمهور على أن المراد بهم النقباء، فمعنى كونهم عليها : أنهم يتلون أمرها وتعذيب أهلها، وإليهم رئاسة زبانيتها، وأما جملتهم فالعبادة تعجز عنها، كما قال تعالى : وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر. ( المدثر : ٣١ ).
وفي الصحيح عن عبد اله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرّونها )iv.
تفسير القرآن الكريم
شحاته