سَأُصْلِيهِ سَقَرَ١ ( ٢٦ ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ( ٢٧ ) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ٢ ( ٢٨ ) لَوَّاحَةٌ٣ لِّلْبَشَرِ ( ٢٩ )عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ( ٣٠ ) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً ٥ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ( ٣١ ) [ ٢٦- ٣١ ].
الآيات تتمة للآيات السابقة وقد تضمنت :
١- إنذارا ً ربانياً لذلك الكافر العنيد بأنه سيصليه النار الشديدة التي لا تبقي ولا تذر الحارقة للجلود.
٢- وإخباراً بأن القائمين عليها تسعة عشر من ملائكة الله.
٣- وتعليلاً لحصر العدد حيث ذكر ؛ ليكون فتنة ومثار حيرة للكافرين ووسيلة لاستيقان الكتابيين من صحة الدعوة النبوية وصدقها، وسبباً لازدياد إيمان المؤمنين.
وفي أسلوب وصف النار من قوة ما يحدث الفزع في النفوس ويحفز إلى الارعواء. وهو ما قصد إليها هنا وفي الآيات الكثيرة الأخرى من جملة ما قصد، بالإضافة إلى قصد الإنذار الشديد للكافر العنيد.
ولقد روى الترمذي عن جابر " أن بعض اليهود قالوا لأناس من الصحابة : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم. قالوا : لا ندري حتى نسأل نبينا، فجاء رجلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد غُلبَ أصحابُك اليوم قال وبمَ غُلبُوا ؟ قال : سألهم اليهود. فقالوا : لا ندري حتى نسأل نبيّنا. قال : أيغلب قوم سئلوا عمّا لا يعلمون ؟ فقالوا : نسأل نبيّنا لكنّهم قد سألوا نبيّهم فقالوا : أرنا الله جهرة. عليّ بأعداء الله إني سائلهم عن تُربةِ الجنة وهي الدَّرْمَكُ، فلما جاؤوا قالوا : يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهّنم ؟ قال : هكذا وهكذا في مرّة عشرة وفي مرة تسعاً قالوا : نعم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ما تربة الجنة ؟ فسكتوا هنيهة ثم قالوا : أخبرْنَا يا أبا القاسم فقال : الخبزُ من الدّرمكِ " ١.
وروي الحديث صحابي مدني، وفحواه يدل على أن السؤال أورد على المسلمين في المدينة. ولذلك نراه عجيباً ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يعرفون العدد بصيغة صريحة منذ العهد المكي من الآية ( ٣٠ ).
وروح الآيات تلهم أن الكفار ومرضى القلوب قابلوا ذكر عدد الذين يتولون النار من الملائكة بالاستخفاف والاستهزاء، فردت عليهم بأن ذلك إنما هو من قبيل الامتحان الرباني للفرق الأربعة التي كان يتألف منها أهل بيئة النبي صلى الله عليه وسلم. وهي المؤمنون والكتابيون والكافرون ومرضى القلوب. فأما الكتابيون فإنهم مفروض فيهم أن يعرفوا أن لله ملائكة يقومون بالمهام التي يكلفهم بها، وأنه ليس مما هو خارج عن حدود قدرة الله أن يكون مثل هذا العدد منهم كافياً لتولي أمر النار فيستيقنوا من صحة الرسالة المحمدية التي تأتي بما يتسق مع ما عندهم. وأما المؤمنون فقد آمنوا في الأصل بالنبي صلى الله عليه وسلم وصلته بالله فيتلقون الخبر بالتصديق والتسليم، وبذلك يزدادون إيماناَ ويقيناً. ولا يقف موقف الشك والاستخفاف إلاّ الكفار ومرضى القلوب الذين يكون موقفهم هذا هو الأضعف ؛ لأنه غير صادر عن علم ونية وعقيدة وإيمان بينما يكون موقف الفريقين الأولين هو الأقوى لأنه صادر عن مثل ذلك.
التفسير الحديث
دروزة