وفي بداية هذه السورة قسم من الله بالليل والنهار، وبخلق الذكر والأنثى، والمقسم عليه فيها أمر يتعلق بالإنسان الذي هو محور الرسالة ومحور التكليف : ذلك أن الإنسان بحكم طبيعته مختلف الميول، متعدد الاتجاهات، متباين الاستعدادات، وليس لجميع أفراده استعداد واحد، ولا مؤهلات واحدة في جميع المجالات، ومن أجل ذلك يختلف اتجاهه، ويختلف تقديره، ويختلف عمله، ويختلف سعيه، ويختلف جزاؤه، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم والليل إذا يغشى١ والنهار إذا تجلى٢ وما خلق الذكر والأنثى٣ إن سعيكم لشتى٤ فأما من أعطى واتقى٥ وصدق بالحسنى٦ فسنيسره لليسرى٧ وأما من بخل واستغنى٨ وكذب بالحسنى٩ فسنيسره للعسرى١٠ وما يغني عنه ماله إذا تردى١١ .
ومعنى من أعطى واتقى من بذل من نفسه وماله ابتغاء وجه الله، ومعنى وصدق بالحسنى من وثق بما عند الله من العاقبة الحسنة والجزاء الحسن، ومعنى اليسرى ، أن الله تعالى ييسر أموره ويسهل عليه بلوغ مقاصده دون شدة ولا عنت، ومعنى من بخل واستغنى من بخل بما أعطاه الله، وخيل إليه أنه مستغن عن الله، فلم يؤد حقوق الله ولا حقوق العباد، ومعنى وكذب بالحسنى من أساء الظن بالله، ولم يثق بما وعده به من العاقبة الحسنة والجزاء الحسن، ومعنى فسنيسره للعسرى سنخذله ولا نوفقه، وسيصطدم في طريقه بكل المعوقات والعراقيل، والتعبير عن هذا المعنى بلفظ " التيسير " مثل التعبير بلفظ " التبشير " في قوله تعالى : فبشرهم بعذاب أليم ( آل عمران : ٢١ )، من باب التبكيت والتنكيت، ومعنى إذا تردى إذا هلك وهوى في الدرك الأسفل من النار.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري