ﭴﭵﭶﭷﭸ

تفسير سورة القدر (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

١ - إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ
قالوا جميعاً يعني القرآن في ليلة القدر (٢)
(١) فيها قولان: أحدهما: إنها مكية، والآخر إنها مدنية.
انظر: "الكشف والبيان" ١٣/ ١٢٢ أ، و"النكت والعيون" ٦/ ٣١١، و"زاد المسير" ٨/ ٢٨٢، و"الإتقان" ١/ ٣٦، و"البرهان" ١/ ١٩٣.
(٢) حكى الإجماع الفخر في "التفسير الكبير" ٣٢/ ٢٧، وعزاه الألوسي إلى الجمهور. "روح المعاني" ٣٠/ ١٨٩. وممن قال به من المفسرين: ابن عباس برواية عكرمة، وسعيد بن جبير، وحكيم بن جبر، والشعبي.
انظر: "جامع البيان" ٣٠/ ٢٥٨، و"بحر العلوم" ٣/ ٤٩٦، و"الكشف والبيان" ١٣/ ١٢٢ ب.
كما ذهب إليه ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص ٢٢٦.
وانظر أيضًا: "معالم التنزيل" ٤/ ٥٠٩، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٥٠٤، و"زاد المسير" ٨/ ٢٨٢، و"الجامع لأحكام القرآن" ٢٠/ ١٢٩، و"البيان في غريب إعراب القرآن" ٢/ ٥٢٤، و"لباب التأويل" ٤/ ٣٩٥، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٥٦٦، و"فتح الباري" ٨/ ٧٢٥. وهناك وجه آخر في عود الضمير، قال بعضهم: يعني جبريل. انظر: "النكت والعيون" ٦/ ٣١١.
وضعف الألوسي، والشنقيطي هذا القول. انظر: "أضواء البيان" ٩/ ٣٧٩، و"روح المعاني" ٣/ ١٨٩ وبهذا يتضح لنا كما سبق بيانه منهج الإمام الواحدي، من أن القول الضعيف، أو الشاذ مما خالف الجمهور، لا يعتد به، ولا يقيم له وزناً، =

صفحة رقم 187

قال ابن عباس (في رواية سعيد بن جبير) (١): أنزل القرآن في ليله القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين، وتلا هذه الآية: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٢) قال: نزل متفرقًا (٣).
وقد ذكرنا هذا عند قوله: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (٤)،

= وحكاية الإجماع ما كان مجمعًا عليه حقيقة، أو ما كان من قول الجمهور. والله أعلم
(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢) الواقعة: ٧٥ وعنى باستشهاده بالآية أنه نزل على مثل مساقط النجوم؛ أي أنزل مفرقًا يتلو بعضه بعضاً، وهذا ما وضحه قوله: نزل متفرقًا.. "الإتقان" ١/ ١١٨.
(٣) ورد قوله في "جامع البيان" ٣٠/ ٢٥٨ برواية حكيم بن جبر، عن ابن عباس بمثله، كما ورد قوله برواية سعيد بن جير عنه بمعناه. "جامع البيان" ٣٠/ ٢٥٩، و"التفسير الكبير" ٣٢/ ٢٧، و"الجامع لأحكام القرآن" ٢٠/ ١٣٠، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٥٦٦، و"الدر المنثور" ٨/ ٥٦٧، وعزاه إلى ابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٧/ ١٣١: باب ما جاء في نزول القرآن، و"المستدرك" ٢/ ٥٣٠، كتاب التفسير: تفسير سورة أنزلناه برواية حكيم عنه، وقال: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، و"الكبير"، وفيه عمران القطان وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. "مجمع الزوائد" ٧/ ١٤٠ سورة أنزلناه، وانظر: "الإتقان" ١/ ١١٦ بمعناه.
(٤) سورة البقرة: ١٨٥، ومما جاء في تفسير قوله تعالى: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ: قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على محمد نجوماً عشرين سنة.
وقال بعضهم: أنزل فيه القرآن: معناه: أنزل في فضله القرآن. نحو أن يقال: أنزل في الصديق كذا آية تريد في فضله. =

صفحة رقم 188

(وهذا قول عامة المفسرين (١)) (٢)
وقال مقاتل (٣): أنزله الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة، وهم الكتبة (٤) من الملائكة في السماء الدنيا، وكان ينزل ليلة القدر من الوحي على قدر مَا ينزل به جبريل على النبي -صلى الله عليه وسلم- في السنة كلها إلى مثلها من القابل، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر، ونزل به جبريل على محمد -صلى الله عليه وسلم- (٥) (٦) (في) عشرين سنة (٧).

= وقال آخرون: أنزل في فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن، كما يقال: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا آية، تريد في فضله، وأنزل في الخمر كذا يراد به في تحريمها.
(١) أي نزول القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم مفرقًا في السنين، وهو قول ابن عباس، والشعبي في رواية، وابن جبير. "جامع البيان" ٣٠/ ٢٥٨، وحكى القرطبي الإجماع على ذلك: "الجامع لأحكام القرآن" ١٢، ج ٢: ص ٢٩٧.
وقال السيوطي: وهذا القول هو الأصح والأشهر، وليه ذهب الأكثرون.
وقال ابن حجر: هو الصحيح المعتمد.
"الإتقان" ١/ ١١٦، ١١٨، وانظر "البرهان" الزركشي ١/ ٢٢٨.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٣) ذكر السيوطي في "الإتقان" ١/ ١١٨ أن هذا القول لمقاتل بن حيان، وقد وجدت النص عند مقاتل بن سليمان في تفسيره.
(٤) في (أ): (الكرام).
(٥) ساقط من (أ).
(٦) في (ع): (عليه السلام).
(٧) "تفسير مقاتل" ٢٤٦ أ، و" الجامع لأحكام القرآن" ١٢: ج ٢: ٢٩٧، و"البرهان" ١/ ٢٢٨، و"الإتقان" ١/ ١١٨، وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع أن القرآن أنزل جملة واحدة، قاله القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" مرجع سابق.

صفحة رقم 189

فعلى قول ابن عباس أنزل القرآن جملة واحد في ليلة من ليالي القدر إلى السماء الدنيا.
وعلى قول مقاتل: كان ينزل كل ليلة قدر مَا كان ينزل السنة إلى مثلها من القابل.
وأما ليلة القدر:
فالقدر في اللغة: بمعنى التقدير، وهو جعل الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصَان (١).
(في ليلة القدر): ليله تقدير الأمور والأحكام (٢).
قال عطاء عن ابن عباس: إن الله (تعالى) (٣) قدر ما يكون فيها إلى مثلها من قابل (٤).
وقال مقاتل: قدر الله في ليلة القدر أمر السنة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة (٥).

(١) جاء في التهذيب: القدر: القضاء الموفق، يقال قدر الله هذا تقديرًا، قال: وإذا وافق الشيء الشيء قلت: جاء قدرُه. ٩/ ١٨: (قدر).
قال ابن فارس: والقدْرة قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها، وهو القَدَر "مقاييس اللغة" ٥/ ٦٢ (قدر).
(٢) هذا القول وما يليه أيضًا في سبب تسميتها بليله القدر.
(٣) ساقط من (أ).
(٤) "التفسير الكبير" ٣٢/ ٨٢ بتفصيل أكبر.
(٥) "تفسير مقاتل" ٢٤٦ أ، وورد بمثله من غير عزو في "معالم التنزيل" ٤/ ٥٠٩، و"الجامع لأحكام القرآن" ٢٠/ ١٣٠ أ، و"فتح القدير" ٥/ ٤٧١، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وقتادة. انظر المراجع السابقة.

صفحة رقم 190

وهذا معنى قول (١) مجاهد: هي ليلة الحكم (٢).
وقال عبد الرحمن السلمى: فقدر أمر السنة كلها في ليلة القدر (٣).
وذكرنا بيان هذا عند قوله: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) (٤).
ومعنى القدر في تلك الليلة بيان مَا يكون في السنة للملائكة، لا ابتداء التقدير؛ لأن الله تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض (٥).
هذا الذي ذكرنا في معنى ليلة القدر قول عامه العلماء، (والمفسرين (٦)) (٧).

(١) في (أ): (من: قا) غير واضحة، وغير موجودة في (ع)، والكلام يستقيم بدونها.
(٢) "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٣٨٦، و"جامع البيان" ٣٠/ ٢٥٩، و"الكشف والبيان" ١٣/ ١٢٢ أ، وعزاه إلى أكثرهم في "الجامع لأحكام القرآن" ٢٠/ ١٣٠، و"الدر المنثور" ٨/ ٥٦٧ - ٥٦٩، وعزاه أيضًا إلى الفريابي، وعبد بن حميد، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان ٣/ ٣٢١: باب في الصيام: فصل في ليلة القدر، وابن أبي شيبة في المصنف: "فتح القدير" ٥/ ٤٧١.
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) الدخان: ٤، ومما جاء في تفسيرها: فيها: (أي في تلك الليلة المباركة، (يفرق) أي يفصل ويبين، و (الأمر) الحكم المحكم، يعني أمر السنة إلى مثلها من العام المقبل يقضي الله في تلك الليلة ما هو كائن في السنة من الخير والشدة والرخاء والأرزاق، والآجال ويمحو ويثبت ما يشاء) "البسيط" ٥/ ١٣ أمختصراً.
(٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء". "صحيح مسلم" ٤/ ٢٠٤٤، ح ١٦: كتاب القدر: باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام.
(٦) وهناك أقوال أخرى. راجع ذلك في "المحرر الوجيز" ٥/ ٥٠٥، و"زاد الميسر" ٨/ ٢٨٣، و"الجامع لأحكام القرآن" ٢٠/ ١٣٠ - ١٣١
(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).

صفحة رقم 191

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية