ولا تقصر عن تلك الدلالات، وهي الدلالة / على الموات الجماد مثل الدلالة في الحيوان الناطق وقالت الحكماء : كل ٨٤ أ صامت ناطق، وكل عجماء معربة من جهة البرهان، وكل شيء دلّ على معنى اعتبرت بالنظر إليه، واستدللت به، فقد أوحى إليك، وإن كان صامتا، وأشار إليك، وإن كان ساكتا وكلمك، وإن كان غير ناطق، ويعرف ذلك الحكيم العالم الثّبت، ويخفى على البليد الجاهل الغبي، قال الله :[أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا] (١) الآية، فالاستدلال بهذه الأشياء وحي أيضا ؛ لمعرفة بعض الناس به دون بعض، كما قال الحكيم الأول : سَلْ الأرض فقل لها مَن حفر أنهارك، وغرس أشجارك، وأخرج ثمارك، فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا، وللعرب مذهب، وقد أكثرت العرب في ذلك، وقالت فيه أشعارا كثيرة، يستنطقون رسوم الديار، ويستدلون بالموات، ويكلمون البهائم على جهة الاعتبار، وقال ذو الرمة :" من الطويل "
وَقَفتُ عَلى رَبع لِمَيَّةَ ناقَتي فَما زِلتُ أَبكي بَعْدَهُ وَأُخاطِبُه (٢)
وَأَسقيهِ حَتّى كادَ مِمّا أَبُثُّهُ تُكَلِّمُني أَحجارُهُ وَمَلاعِبُُه
وقال ابن أحمر (٣) :" من أحذ الكامل ".................. ٨٤ب
وَعَرَفتُ مِن شُرُفاتِ مَسجِدِها حَجَرَينِ طالَ عَلَيهِما الدَهرُ
بَكَيا الخَلاءَ فَقُلتُ إِذ بَكَيا ما بَعدَ مِثلِ بُكاكُما صَبرُ
(٢) ديوانه، ص ١٢، ودرواية الديوان : أبكي عنده
(٣) هو عمرو بن أحمر الباهلي، ديوانه / الموسوعة الشعرية ٠