الفتنة والبلاء والبلية : قال أبو عبيدة (١) في قول الله تعالى :[وَلَا تَفْتِنِّي ] (٢) مجازه لا تؤثمني، وقال في قوله [يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ] (٣) هو من الفتنة في الدين (٤)، وفي قوله :[وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ] (٥) أي ابتليناك (٦)، ويقال : رجل مفتون في دينه، أي كافر، وفي قوله :[يَفْتِنُوكَ ] (٧) أي يضلونك، ويستزلونك (٨)، والفتون يكون معناه شيئين : أحدهما الابتلاء، وهو الاختبار، ومنه فتنت الذهبَ النارُ، إنما هو اختبارك إياه ؛ ليعرف خالصه من غير خالصه، والفتون في غير هذا أن تصرف صاحبك عن الحق إلى الباطل، وكل من أُميل عن القصد فقد فُتن، ومنه قوله :[وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ] (٩) وبهذا سميت الفتنة، ومعنى الفتنة كله يرجع إلى / الامتحان، وتمييز المؤمن من الكافر، فيكون بمنزلة الذهب والفضة، ١١٨ أ الذي يُفتن بالنار ؛ فيعرف جيده من رديئه، وخالصه من مشوبه، والبلاء الاختبار، وقال الأحنف لزياد : البلاء ثم الثناء، وقال الله :[ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ] (١٠) أي ليختبرنكم، وقال عز وجل :[وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ] (١١) فجعل الفتنة مصدرا من البلاء، وهما متقاربان في المعنى، والله يمتحن عباده بالشر، ليعرف كيف صبرهم، ويمتحنهم بالخير ليعرف كيف شكرهم، فالبلاء والفتنة متقاربان في المعنى، وهما بمعنى الامتحان، إلاّ أن البلاء يكون في الخير والشر، والفتنة لا تكون إلاّ في الشر، وأما البلية فإن أصله ما كان عليه أهل الجاهلية، كانوا إذا مات منهم ميت يعقلون عند قبره ناقة، فلا تُعلف، ولا تُسقى حتى تموت،

(١) مجاز القرآن ١/٢٦١
(٢) التوبة ٤٩
(٣) التوبة ١٢٦
(٤) مجاز القرآن ١/٢٧١
(٥) طه ٤٠
(٦) مجاز القرآن ٢/١٩
(٧) كتبت يفتنونك خطأ ٠ المائدة ٤٩
(٨) مجاز القرآن ١/١٦٨
(٩) الإسراء ٧٣
(١٠) المائدة ٩٤
(١١) الأنبياء ٣٥


الصفحة التالية
Icon