وتجدر الإشارة إلى أن المصنّفين في توجيه المتشابه قد اتّكؤوا في عدد من توجيهاتهم على تقرير هذه الحقيقة، كما في قول ابن الزبير – في أحد توجيهاته - :" قد تقدّم أن العرب متى تهمّمت بشيء أرادته لتحقّقه وقرب وقوعه أو قصدت الدعاء عليه كرّرته توكيداً، وكأنها تقيم تكرارها مكان القسم عليه والاجتهاد في الدعاء عليه حيث يقصد الدعاء، وإنما نزل القرآن بلسانهم وكأن مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض " (١).
وكما في قول أبي يحيى الأنصاري – ضمن توجيهه لأحد الاختلافات الحاصلة بين بعض الآيات المتشابهة - :" لأن القرآن نزل على المعهود من أساليب كلام العرب وفنونه، ومنها الإجمال والتفصيل، والذكر والحذف، والجمع والتثنية والإفراد ؛ باعتبارات مختلفة"(٢).
وكذلك الأمر بالنسبة للباحثين المعاصرين، الذين استقرؤوا كلام المتقدّمين، ورأوا إجماعهم على تقرير هذه الحقيقة (٣).
- ثانياً : تسجيل العجز التام للبشر عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وهذه الحكمة مترتّبة على السابقة، وفي ذلك يقول ابن فارس – تتميماً لكلامه المنقول قبل قليل- :" فأما تكرير الأنباء والقصص في كتاب الله جلَّ ثناؤه، فقد قيلت فيه وجوه، وأصحّ ما يقال فيه : أن الله جلَّ ثناؤه جعل هذا القرآن وعجز القوم عن الإتيان بمثله آية ً لصحة نبوة محمد - ﷺ -، ثم بيّن وأوضح الأمر في عجزهم بأن كرّر ذكر القصّة في مواضع ؛ إعلاماً أنهم عاجزون عن الإتيان بمثله، بأيّ نظم جاء وبأيّ عبارة عبّر، فهذا أولى ما قيل في هذا الباب " (٤).
(٢)... فتح الرحمن : ص ٥٠٩.
(٣)... انظر : التكرار للدكتور : حسين نصّار : ٣٣- ٣٦، ظاهرة التكرار للدكتور : عبد المنعم السيد حسن : ٢٣- ٢٤.
(٤)... الصاحبي : ص ١٥٨.