والظاهر أن هذا الكلام من ابن فارس هو أصل مقولة الزركشي – في حكمة المتشابه اللفظي – التي أشيرَ إليها في صدر هذا المبحث، وهي قوله :" وحكمته : التصرّف في الكلام وإتيانه على ضروب ؛ ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك : مبتدأً به ومتكرّراً"(١).
ومما يؤكّد هذا الأمر : أن السيوطي في كتابه (( معترك الأقران في إعجاز القرآن )) قد اعتبر وجود المتشابه اللفظي في القرآن – وهو ما سمّاه بمشتبهات آياته – اعتبره الوجه السادس من وجوه إعجازه (٢).
وهذا الأمر – أيضاً- مما يكثر المصنفون في توجيه المتشابه من تقريره، كما في قول ابن الزبير – مثلاً - :" وكانت العرب تتسع في جموع التكسير فتوقعها على أولي العلم وغيرهم، فأتى هنا بالجمع مكسّراً لتحصل اللغتان ؛ حتى لا يبقى لمن تُحدّي بالقرآن حجّة ؛ إذ هم مخاطبون بما في لغاتهم، فلا يقصر بشيء من خطابهم على أحد الجائزين دون الآخر، إلا ألا يتكرّر، فإذ ذلك يرد على وجه واحد مما يجوز فيه، فتفهّم ما أجملته فسوف يتضح لك به إذا استوفيته ما يعينك على فهم الإعجاز " (٣)، وقوله :" وإنما نزل القرآن بلسانهم وكأن مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض، وبهذا المسلك تستحكم الحجّة عليهم في عجزهم عن المعارضة، وقد تقدّم هذا وتقرّر " (٤).

(١)... البرهان في علوم القرآن : ١/ ٢٠٧. وانظر منه : ٢/ ٤٨٥، ٣/ ٩٦.
(٢)... معترك الأقران : ١/ ٨٥. وانظر : إعجاز القرآن الكريم بين الإمام السيوطي وغيره من العلماء للدكتور : محمد موسى الشريف : ص ٣٥٥.
(٣)... ملاك التأويل : ١/ ٢١٨.
(٤)... ملاك التأويل : ٢/ ١١٣٠.


الصفحة التالية
Icon