( ز ) كَثُرَ القولُ - من قِبَل عدد من أهل العلم ومَن تبعهم من الباحثين – بضعف التوجيهات والتعليلات التي يغلب عليها الجانب اللفظي – كما في قواعد المطلب الأول في هذا المبحث – بل بالغ بعضهم بوصف التعليل بها بأنه لا يصحّ ولا يليق بفصيح كلام البشر فضلاً عن القرآن. بينما اعتمدها العلماء في توجيه المتشابه واطّرد التعليل بها عندهم في كثير من الأمثلة بلا غضاضة – كما سيأتي شواهد لذلك كثيرة من كلامهم في هذا المبحث -.
وأحسب أن الذي دعا أولئك للقول بضعف التوجيهات التي يغلب عليها الجانب اللفظي رؤيتهم أن مراعاة ذلك لا تكون إلا على حساب الجانب المعنوي في الغالب، وأن التحسينات اللفظية لا ينبغي أن تكون هي الأصل في التعليل، بل لا يقال بها إلا تَبَعاً.
والحق أن لكلّ من اللفظ والمعنى مكانه في الفصاحة والبلاغة، وأن كلاّ ً منهما ينبغي مراعاته في ذلك، وافتراض أن مراعاة أحد الجانبين لا يكون إلا على حساب الآخر افتراض لا يناسب بلاغة القرآن التي بلغت الغاية في الحسن ألفاظاً ومعاني، كما أشار إلى ذلك ابن القيّم رحمه الله في قوله :" بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه، فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلّها وأفصحها، ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين، فكذلك معانيه أجلّ المعاني وأعظمها وأفخمها"(١).

(١)... بدائع الفوائد : ٣/ ٢٧- ٢٨.


الصفحة التالية
Icon