الثالث : أن ترتيب بعض السور كان توقيفيّاً، والبعض الآخر كان باجتهاد الصحابة. وأصحاب هذا القول غير متّفقين على تحديدٍ معيّن للقدر التوقيفيّ من الاجتهادي.
لكن مع هذا الخلاف ؛ فإن أهل العلم متّفقون على احترام هذا الترتيب، وإن ذهب أكثرهم إلى جواز مخالفته في القراءة والصّلاة، لكن ذلك عندهم مكروه
أو خلاف الأولى، كما ذهب طائفة إلى القول بوجوب التزامه وحرمة مخالفته (١).
ولذلك فإن علماء توجيه المتشابه اعتمدوا على (( ترتيب المصحف )) في كثير من توجيهاتهم لكثير من الأمثلة. وكان على رأسهم في كثرة اعتماد ذلك والاتّكاء عليه : أبوجعفر بن الزبير في كتابه (( ملاك التأويل ))، لكنّه ليس الوحيد – منهم – الذي اعتمده- كما ذهب إلى ذلك أحد الباحثين (٢) – على ما سيأتي بيانه أكثر من خلال الأمثلة التي أُخذت من جميع كتب توجيه المتشابه.
بل إن الكرماني في كتابه (( البرهان في متشابه القرآن )) (٣) قد سبق ابن الزبير إلى تقرير هذه القاعدة وتأصيلها، بل كان ذلك بأوسع مما قاله ابن الزبير في (( ملاك التأويل )) وأقوى. حيث قال – في صدر كتابه المذكور في توجيه أحد الأمثلة - :" فإن قيل : ليست سورة البقرة بأول القرآن نزولاً فيحسن فيها ما ذكرت ؟

(١)... انظر في تفصيل الخلاف في ترتيب السور : البرهان للزركشي : ١/ ٣٥٤، الإتقان : ١/ ٢٢٠، مناهل العرفان : ١/ ٣٥٠، قواعد التفسير للسبت : ١/ ١٠١، المتحف في أحكام المصحف : ص ٢٩١- ٣٢٠.
(٢)... وهو : د. رشيد الحمداوي في بحثه : المتشابه اللفظي في القرآن ومسالك توجيهه عند ابن الزبير : ص ١٤٦.
(٣)... ص ١١٤- ١١٦.


الصفحة التالية
Icon