…ومن يجل النظر في مقولة الرجلين يجد أنهما صرفا معنى ملكين الوارد في الآية إلى غير لفظه، مع أن لفظ ملك محلى بالألف واللام للتعريف بهما، وصرفا كذلك القرينة (وما أنزل) إلى غير معناها. ومع أن النص صريح بذكر هاروت وماروت قالا: المراد بهما داود وسليمان أي يرمزان إليهما، كما نقلا أنهما رجلان صالحان، وربطا القصة التي وقعت في غابر الأزمان بما يجري بين الناس في هذه الأيام لإزالة معنى الإيحاء للملكين، وأنه أمر عادي لا غرابة فيه، وختما ذلك بضلال كبير، وإثم مبين فقالا: لعل الله سمّاهما ملكين حكاية لاعتقاد الناس فيهما، أي ليس على سبيل الحقيقة والواقع مع تجويزه أن يكون ذلك على سبيل المجاز. وبذلك يكون الشيخ محمد عبده وخليفته محمد رشيد رضا المؤسسان لهذه الشائبة في العصر الراهن. وهما رواد إدخال الشوائب في التفسير في القرن الرابع عشر الهجري. قد فتحا باباً للشوائب في التفسير لا يوصد إلى ما شاء الله تعالى.
…والقصص في القرآن هو كلام رب العالمين، أوحى الله به، شأنه شأن العقيدة والأحكام سواء بسواء، فالسرد التاريخي في القصص القرآني صدق وحق، وكان واقعاً كما أخبر عنه القرآن، فتلتمس الحقيقة التاريخية منه، كما تلتمس العظة والعبرة، كما تلتمس العقيدة والأحكام، والهداية والإعجاز.


الصفحة التالية
Icon