…ولكنا إذا قصرنا بحثنا على صورة القصة كما جاءت عند الساميين فإن من المرجح جداً أنها نشأت عن رغبة الإنسان البدائي في أن يفسر لنفسه تعاسته البالغة، وسوء حاله في بيئة غير مواتية له، تفيض بالمرض والموت، وتعوقه من كل ناحية في سعيه لاستبقاء حياته. ولما لم يكن للإنسان أي سلطان على قوى الطبيعة، فإن نظره إلى الحياة نظرة متشائمة كان طبيعياً، وعلى ذلك نجد في نقش بابلى قديم ثعباناً (رمز عضو التذكير)، وشجرة، وامرأة تقدم إلى رجل تفاحة (رمز البكارة). ومعنى هذه الأسطورة واضح هو أن سقوط الرجل من حال مفترضة من حالات السعادة كان سببه الاختلاط الجنسي بين الرجل والمرأة لأول مرة. ويتضح لنا أسلوب القرآن في عرض هذه القصة عندما نقرنه بما ورد في سفر التكوين، ونقط الخلاف الظاهرة بين رواية التوراة تشير إلى غرض القرآن إشارة لا تقبل الخطأ.." (١). ثم ساق نقاط الخلاف بين قصة الهبوط في القرآن وسفر التكوين، ثم قال: "وهكذا نرى أن قصة هبوط آدم كما جاءت في القرآن لا صلة لها بظهور الإنسان الأول على هذا الكوكب، وإنما أريد بها بالأحرى بيان ارتقاء الإنسان من بدائية شهوة الغريزة إلى الشعور بأن لها نفساً حرة قادرة على الشك والعصيان. وليس يعني الهبوط أي فساد أخلاقي، بل هو انتقال الإنسان من الشعور البسيط إلى ظهور أول بارقة من بوارق الشعور بالنفس، وهو نوع اليقظة من حلم الطبيعة أحدثتها خفقة من الشعور بأن للإنسان صلة عليه شخصية بوجوده"(٢).
…وقال: "فالمعصية الأولى للإنسان كانت أول فعل له تتمثل فيه حرية الاختيار، ولهذا تاب الله على آدم كما جاء في القرآن وغفر له"(٣).
(٢) ص ٩٩، تجديد الفكر الديني في الإسلام، د. محمد إقبال.
(٣) ص ٩٩، تجديد الفكر الديني في الإسلام.