وتصعب الإجابة عن هذا السؤال إذا ما أخذنا بالفكرة الشائعة التي سيطرت على دراسات القدماء والمحدثين في علوم القرآن، ولا سيما في موضوع جمع القرآن الكريم في العهد النبوي، من أن القرآن الكريم وبدون تفرقة بين المكي منه والمدني قد كتب على وسائل بدائية جداً من قطع الأحجار والعظام والأخشاب وجريد النخل... الخ. وعليه سيكون للباحث مع هذه الفكرة وقفة طويلة ـ في المبحث الثاني ـ محاولة منه لبيان نسبة الحقيقة فيها، مع بيان مصير القرآن المكي المكتوب، الذي يتوقف إلى حد كبير على فهم هذه المقولة سلبا وإيجابا، والتي بسببها وقع بعض الباحثين في حيرة من أمر القرآن المكي. فعلى سبيل المثال، الدكتور عبد المنعم النمر بعد ما يؤكد أن كتابة القرآن بدأت منذ نزوله على الرسول ﷺ وبعد أن يستشهد بقصة عبد الله بن أبي سرح في إثبات كتابة القرآن المكي في مكة يقول :>ولم أجد فيما اطلعت عليه أن رسول الله ﷺ عني في هجرته بحمل القرآن المكتوب معه. إذ كان أمراً في غاية الصعوبة لا سيما في الظروف الصعبة التي تمت فيها الهجرة، حيث كان ذلك يستدعي عدداً من الإبل لحمله، وما كان ذلك أمراً سهلا ولا متيسراً في هجرة كانت تعتمد اعتماداً كلياً على السرية. وجمع الحجارة والعظام والجريد والجلود التي كتب عليها القرآن وتحميلها على الإبل، كل ذلك يستدعي جواً من الأمان ومن الوقت حتى يتم. وما كان هذا أو ذاك أمراً متوفراً. ولهذا نكاد نقطع بأن الرسول ﷺ لم يحمل معه شيئاً مما كتب من القرآن، وكان اعتماده الكلي على حفظه و حفظ صحابته المهاجرين معه لما نزل، وفي المدينة تولى وتولوا تحفيظه لمن أسلم فيها. بجوار ما كان ينزل فيها...<(١).


الصفحة التالية
Icon