فهناك تناقض واضح في كلام الدكتور حيث يثبت في أول الأمر أن القرآن كان يكتب في مكة، ثم يدعي أن المكتوب لم ينقل من مكة إلى المدينة من غير أن يبين مصير المكتوب، ثم يقول كان اعتماد النبي ﷺ الكلي على حفظه وحفظ من معه من المهاجرين، وفي المدينة تولوا تحفيظه لمن أسلم فيها. فإنه لم يثبت على وجه القطع في السيرة أن النبي قد قام هو ومن معه بتحفيظ ما نزل في مكة للأنصار في المدينة، وكذا لم يثبت أن القرآن المكي المكتوب قد وقع في أيدي المشركين في مكة، ولو كان صحيفة واحدة مما يدل على أنه قد أرسل إلى المدينة قبل ذلك بطريقة ما. هذا من جهة ومن جهة أخرى إذا ما سلِّمَ للدكتور ماذكره فهناك سؤال يطرح نفسه وهو: متى تمت كتابة القرآن المكي في المدينة ؟ فهل جمع النبي ﷺ الكتبة في المدينة وأمرهم بكتابة القرآن المكي ؟ هذا ما لم يقل به ولم ينقله أحد من مؤرخي السيرة ولم يأت خبر واحد ولو كان ضعيفاً يدل على ذلك. فالمعروف أن النبي ﷺ لما توفي كان القرآن كله ـ مكيه ومدنيه ـ مكتوباً، بَيدَ أنه كان في صحف مفرقة إلى أن جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
ويتضح مصير القرآن المكي المكتوب فيما ذكره ابن قدامة المقدسي والحافظ ابن حجر العسقلاني وغيرهما من حمل بعض الصحابة لأجزاء من القرآن المكي المكتوب إلى المدينة، قبل الهجرة النبوية.
يقول ابن قدامة المقدسي في كتابه "الاستبصار" :>قال الأموي : إن رافع بن مالك(١) هو الذي حمل المصحف من مكة المدينة(٢). وهو لاشك كلام مجمل يحتمل معنى نقل القرآن مكتوباً، ويحتمل معنى نقله محفوظاً(*).
وينقل لنا تفضيل هذا الخبر ابن حجر العسقلاني في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة" بقوله : روى الزبير بن بكار في أخبار المدينة(١) عن عمر بن حنظلة أن مسجد بني زريق أول مسجد قرئ فيه القرآن، وأن رافع بن مالك لما لقي رسول الله ﷺ بالعقبة أعطاه ما أنزل عليه في العشر سنين التي خلت فقدم به رافع المدينة، ثم جمع قومه فقرأ عليهم في موضعه قال : وعجب النبي ﷺ من اعتدال قبلته ـ ربما الصحيح قلبه ـ(٢).


الصفحة التالية
Icon