ولا يمكن حمل هذا الكلام إلا على نقل المكتوب منه لأنه معروف أن وقت بيعة العقبة كان قصيراً جداً، بحيث لا يتمكن فيه إنسان من حفظ كل ما نزل إلى النبي ﷺ في عشر سنوات مهما أوتي من قوة الذاكرة. والذي ساعد رافع بن مالك رضي الله عنه من أن يجيد ويتقن قراءة كل ما أخذه من الرسول ﷺ كونه من الذين اشتهروا بمعرفة القراءة والكتابة منذ الجاهلية، وقد سبق أنه كان يعد من الكملة. وليس في كلام الحافظ هذا ما يدل على أن رافع بن مالك كان قد ذهب إلى مكة وتعلَّم فيها ما نزل من القرآن في السنوات العشر التي مضت من بعثة النبي ﷺ، كما ذهب إليه الدكتور أكرم ضياء العمري(٣) مؤولاً كلام الحافظ العسقلاني في الإصابة.
ويتبين من متابعة سيرة رافع بن مالك، أنه كان يتنقل بين مكة والمدينة قبل هجرة الرسول ﷺ بين الحين والآخر، بل كان يجلس مع الرسول ﷺ في مكة أحياناً. فإضافة إلى ماسبق ذكره، يقال : إنه أول من نقل عدة سور من القرآن المكي إلى المدينة، من ذلك ما حكاه ابن إسحاق :>أن رافع بن مالك أول من قدم المدينة بسورة يوسف<(١). وما ذكره ابن الأثير من :>أن رافع بن مالك كتب سورة طه وقدم بها المدينة قبل الهجرة<(٢). وعليه يحمل ما جاء تحت باب حمل الآيات من مكة إلى المدينة على نقل المكتوب، ففي أغلب الأحيان يكون المقصود من حمل الآيات من مكان إلى آخر، سواء من مكة إلى المدينة أو بالعكس، أو من المدينة إلى الحبشة هو نقل المكتوب منه وليس المحفوظ. مثل الآيات الست من سورة آل عمران التي حملت من المدينة إلى الحبشة، والتي بعثها الرسول ﷺ لجعفر ليقرأها على أهل الكتاب(٣). وكذا سورة مريم، وما حمل من مكة إلى المدينة مثل سورة الإخلاص، ومن المدينة إلى مكة مثل صدر سورة براءة وآية الربا، وغيرها(٤).