وكذلك كتاب مصعب المشهور إلى النبي في الاستئذان لإقامة صلاة الجمعة: >... فكتب ـ مصعب ـ إلى رسول الله ﷺ، يستأذنه أن يجمع بهم، فأذن له وكتب إليه : انظر من اليوم الذي يجهر فيه اليهود لسبتهم فإذا زالت الشمس فازدلف إلى الله بركعتين واخطب فيهم،...<(٦) وعليه فإن المراسلات بين النبي ﷺ، وبين المسلمين في المدينة كانت مستمرة وذلك لما تتطلبه ظروف الدعوة الإسلامية في تلك الفترة الزمنية، حيث أصبح للمسلمين شبه قاعدة وكوَّنوا مجتمعاً صغيراً فكانوا بحاجة إلى معرفة ما يستجد من أمور حسب الوحي النازل، فلا شك أن القيادة المتمثلة بالنبي ﷺ في مكة كانت تمد قاعدتها في المدينة بكل ما كان يستجد، وقد تبين مما مضى أنهم كانوا يتوسلون بالكتابة في مراسلاتهم تلك. فكيف يتم الاهتمام بهذه المسائل وتتم فيها الكتابة مع وجود صحابي يحمل تلك الرسائل التي إذا قارناها مع القرآن الكريم فإنها لا تساوي شيئاً، وعليه فما نقل إلينا من أن فلاناً من الصحابة هو الذي حمل السورة الفلانية إلى المدينة ونحوها من الأخبار، فإنما يحمل ذلك على نقل المكتوب لا المحفوظ. وقد ضربت لذلك أمثلة كرافع بن مالك في حمله سورة يوسف، وسورة طه، بل والقرآن المكي كله، كما نقله ابن حجر وابن قدامة المقدسي. ولا شك أنه مع هذه المراسلات كان يتم نقل ما يستجد من أمور الدين من خلال القرآن النازل، وذلك بإرسال ما ينزل إليهم. ويجدر بالذكر أن النبي ﷺ كان قد أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة لتعليم أمور دينهم، وعملية التعليم تتطلب الأدوات والوسائل مثل الصحف ونحوه فلابد أنه كان قد أخذ معه شيئاً من القرآن المكي المكتوب حتى يتمكن من القيام بمهمته كمقرئ أو معلم. لأنه معلوم في كل زمان ومكان أن التعليم يحتاج إلى أدوات من صحف وأوراق وأقلام وغير ذلك. وعليه يرى الباحث أن النبي ﷺ قد أرسل جزءاً كبيراً من القرآن الكريم مع مصعب بن عمير وغيره من الذين بعثوا لتعليم الناس القرآن وأمور الدين.


الصفحة التالية
Icon