صفحة : ٧٣
وأما الجهة الرابعة وهي الإخبار بالمغيبات فقد اقتفينا أثر من سلفنا ممن عد ذلك من وجوه الإعجاز اعتدادا منا بأنه من دلائل كون القرآن منزلا من عند الله، وإن كان ذلك ليس له مزيد تعلق بنظم القرآن ودلالة فصاحته وبلاغته على المعاني العليا، ولا هو كثير في القرآن، وسيأتي التنبيه على جزئيات هذا النوع في تضاعيف هذا التفسير إن شاء الله. وقد جاء كثير من آيات القرآن بذلك منها قوله )آلم غلبت الروم( الآية روى الترمذي في تفسيرها عن ابن عباس قال: كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم لأنهم أهل كتاب فذكره أبو بكر لرسول الله فنزل قوله تعالى )آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين( فخرج أبو بكر يصيح بها في نواحي مكة، فقال له ناس من قريش أفلا نراهنك على ذلك؟ قال بلى وذلك قبل تحريم الرهان، فلما كانت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس وأسلم عند ذلك كثير من قريش. وقوله )وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا( وقوله )لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون( فما حدث بعد ذلك من المراكب منبأ به في هذه الآية. وقوله )إنا فتحنا لك فتحا مبينا( نزلت قبل فتح مكة بعامين. وقوله )لتدخلن المسجد الحرام أن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون(. وأعلن ذلك الإعجاز بالتحدي به في قوله تعالى في شأن القرآن )وأن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله( إلى قوله )ولن تفعلوا( فسجل أنهم لا يفعلون ذلك أبدا وكذلك كان، كما بيناه آنفا في الجهة الثالثة.


الصفحة التالية
Icon