قرر ابن القيم هذا الأصل (١)، واعتمده في الترجيح بين الأقوال في التفسير.
ومن ذلك أنه رجح أن قول الله - عز وجل - :﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ. وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي... ﴾ ( يوسف : ٥٢-٥٣) حكاية لقول امرأة، وليس حكاية لقول يوسف عليه السلام كما قاله بعض المفسرين، ثم قال في سياق ترجيح هذا القول :( فالصواب أنه من تمام كلامها ؛ فإن الضمائر كلها في نسق واحد يدل عليه، وهو قول النسوة :﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ﴾، وقول امرأة العزيز :﴿ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾، فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر، ثم اتصل بها قوله :﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ﴾ ؛ فهذا هو المذكور أولاً بعينه، فلا شيء يفصل الكلام عن نظمه، ويُضمر فيه قول لا دليل عليه.)(٢)
اختيارات ابن القيم وترجيحاته في التفسير
دراسة وموازنة
من سورة الفاتحة إلى آخر سورة الإسراء
المسألة الأولى
قال الله - عز وجل - :﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ ( البقرة : ١٧ )
هذا المثل الذي ضربه الله - عز وجل - في هذه الآية أول مثل صريح في القرآن الكريم ؛ ولذلك فقد نال نصيباً وافراً من اهتمام المفسرين، وتنوعت في بيان معناه عباراتهم، وتعددت في تفصيل أركان التشبيه فيه أقوالهم.

(١) انظر زاد المعاد ٥/٥٤٢.
(٢) انظر المسألة الحادية والتسعين.


الصفحة التالية
Icon