وليس هذا المقام محلاً لبسط ذلك، وإنما الذي يعنينا هنا ما يتعلق بموضوع البحث، وهو ما أورده ابن القيم - رحمه الله - في كلامه حوله ؛ فقد ذكر في بيان المناسبة بين هذا المثل وبين من ضُرب لهم - وهم المنافقون - كلاماً مستقى من أقوال السلف والمفسرين قبله، وأورد في سياق كلامه قولاً قد قيل به في معنى الآية، وهو : أن هذا المثل مثلٌ للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين المسلمين.
وبعد أن بيّن وجه هذا القول ؛ قرر أن في جعله مراداً بالآية - وإن كان حقاً - نظراً.
وذكر من أسباب عدم قبول هذا القول ما يدل على أنه يرجح أن المعتمد في هذا المثل هو ما قاله السلف، وسار عليه المفسرون - وهو ما سأذكره إن شاء الله عند دراسة كلامه بعد ذكره بنصه -.
قال رحمه الله :( وقد قيل : إن هذا مثل للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام، ويكون بمنزلة قول الله تعالى :﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ﴾ (المائدة: من الآية٦٤)، ويكون قوله تعالى :﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ مطابقاً لقوله تعالى :﴿ أطفأها الله ﴾، ويكون تخييبهم وإبطال ما راموه هو تركهم في ظلمات الحيرة لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه ولا يبصرون سبيلاً، بل هم صم بكم عمي.
وهذا التقدير - وإن كان حقاً - ففي كونه مراداً بالآية نظر ؛ فإن السياق إنما قُصد لغيره، ويأباه قوله تعالى :﴿ فلما أضاءت ما حوله ﴾ وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبداً، ويأباه قوله تعالى :﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ وموقد نار الحرب لا نور له، ويأباه قوله تعالى :﴿ وتركهم في ظلمات لا يبصرون ﴾ وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الشك والكفر.


الصفحة التالية
Icon