التنبيه الثاني : ترجيح ابن القيم -رحمه الله - بأن لعل في كلام الله للتعليل لا يستقيم مع قوله في موضع آخر : لعل من الله و(٣) (١)؛ لأن الوجوب لا يتناسب مع معنى التعليل.
وبيان ذلك : أن التعليل لو كان واجباً للزم من ذلك تحقق العلة التي ذكرت، وهذا مصادم للواقع. فقول الله تعالى :﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ فيه بيان أن العبادة هي علة خلق الجن والإنس، ومن المعلوم أنه لم تتحقق هذه العلة من أكثر الإنس والجن.
ويقال مثل ذلك في الآية التي هي محل الدراسة هنا، فابن القيم يرى أن قوله :﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ تعليل للأمر والخلق، فيلزم من ذلك أن يتحقق التقوى من جميع الخلق، وهذا باطل.
وعليه فلا يستقيم الأمر لابن القيم رحمه الله إلا بجعل لعل للترجي على بابها وأصلها، وهو من الله واقع متحقق، فإذا لم يقع فالترجي بها راجع للمخاطب كما في قوله تعالى :﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ (طه: ٤٤). وقد أشار - رحمه الله - إلى أن "لعل" مشعرة بالترجي، وذلك عند تعليقه على قول الله - عز وجل - :﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (النور: من الآية٣١) قال :( وأتى بأداة "لعل" المشعرة بالترجي إيذاناً بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح ؛ فلا يرجو الفلاح إلا التائبون - جعلنا الله منهم -. )(٢)
وهذا مما يؤكد ما سبق ذكره من أنّ حمل "لعل" في القرآن على معنى واحد لا يستقيم ؛ بل إن معناها يختلف من موضع إلى آخر حسب سياقها وموضعها.
التنبيه الثالث : بينت لنا الدراسة السابقة بعض الفوائد التفسيرية، ومنها :
(٢) مدارج السالكين لابن القيم ١/٣٣٣.