اختلف أهل التفسير بالمراد بالمحصنات في الآية؛ فذهب أكثرهم إلى أنّ المراد به: الحرائر(١). واختار بعضهم أنّ المراد به العفيفات عن الزنى(٢). واختار الشيخ ـ رحمه الله ـ قولاً وسطاً يجمع بين القولين، وهو أنّ الإحصان في الآية يتناول الحرية مع العفّة. وحجّته في ذلك: أنّ " لفظ ( المحصنات ) إن أريد به الحرائر، فالعفّة داخلة في الإحصان بطريق الأولى، فإنّ أصل المحصنة هي العفيفة التي أُحصن فرجها، قال تعالى: ﴿ ومريم ابنت عمرن التي أحصنت فرجها.. ﴾[التحريم: ١٢]، وقال تعالى: ﴿ إنّ الذين يرمون المحصنت الغفلت المؤمنت..﴾[النور: ٢٣]، وهنّ العفائف، قال حسّان بن ثابت:
حَصَان رَزَان ما تُزَنّ بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل(٣)
ثمّ عادة العرب أنّ الحرّة عندهم لا تعرف الزنى، وإنّما تُعرف بالزنى الإماء، ولهذا لمّا بايع النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ هند امرأة أبي سفيان(٤)
(٢) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ٢/٢٠.
(٣) ينظر ديوانه: ص١٩٠. والحَصَان: العفيفة. والرزان: الوقور من النساء. وقوله ( ما تُزَنّ بريبة ): أي لا تتّهم بما يريبها. والغَرَث: الجوع. والمعنى: لا تأكل لحوم الغافلات من المؤمنات. ينظر: اللسان: (حصن، زنن، غرث).
(٤) هي هند بنت عتبة بن ربيعة، أمّ معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنهم ـ، أسلمت عام الفتح بعد إسلام
زوجها أبي سفيان، توفيت في خلافة عمر. ( ينظر: الإصابة مع الاستيعاب: ٤/ ٤٠٩).