على أن لا تزني، قالت: أو تزني الحرّة ؟!(١)، فهذا لم يكن معروفاً عندهم. والحرّة خلاف الأمة، صارت في عرف العامّة أنّ الحرّة هي العفيفة، لأنّ الحرّة التي ليست أمة كانت معروفة عندهم بالعفّة، وصار
لفظ الإحصان يتناول الحريّة مع العفّة؛ لأنّ الإماء لم تكن عفائف "(٢).
الدراسة، والترجيح:
انفرد الشيخ بهذا القول دون سائر من سبقه من المفسّرين، وهو قول وسط، يزول به الإشكال على كلا القولين الآخرين. فإنّ القول بأنّ المحصنات هنّ الحرائر، دون اشتراط العفّة، يدخل فيه غير العفيفات من الزواني، وقد ذمّ الله نكاح الزواني المسلمات، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿.. والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك..﴾[النور: ٣]، فكيف بالزواني غير المسلمات من أهل الكتاب، فيكنّ قد جمعن بين الكفر والفجور! إلا أن يتبن توبة نصوحاً؛ فحينئذ يزول عنهنّ وصف الفجور، ويدخلن في مسمّى العفيفات.
والقول بانّ المحصنات هنّ العفيفات، يدخل فيه غير الحرائر من إماء أهل الكتاب العفيفات. وقد اشترط الله الإيمان في نكاح الإماء، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنت المؤمنت فمن ما ملكت أيمنكم من فتيتكم المؤمنت..﴾[النساء: ٢٥].
ثمّ إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ في هذه الآية أطلق وصف الإحصان على الحرائر دون الإماء، وقدّمه على الإيمان، وهذا يؤيّد ما ذكره الشيخ من غلبة العفّة على الحرائر دون الإماء، إذ لفظ الإحصان في اللغة أصله من المنع، كما يقال: مدينة حصينة، ودرع حصينة(٣).

(١) أخرج الحديث: ابن سعد في الطبقات ( بيروت: دار صادر ): ٨/٩، مرسلاً بإسناد صحيح كما قال ابن حجر في الإصابة: ٤/٤٠٩، وأخرجه أبو يعلى في مسنده ( دمشق: دار المأمون ) مرفوعاً عن عائشة: ٨/١٩٤، بإسناد فيه مجاهيل. وينظر: تلخيص الحبير ( القاهرة: مكتبة ابن تيميّة ): ٤/ ٥٩.
(٢) مجموع الفتاوى: ٣٢/١٢١، والفتاوى الكبرى: ٢/٨٦.
(٣) ينظر: لسان العرب: ٢/٩٠٢، مادّة: ( حصن ).


الصفحة التالية
Icon