الوجه الأوّل: أنّه ـ سبحانه ـ قال: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمّموا صعيداً طيّباً..﴾، فقد أمر من جاء من الغائط ولم يجد الماء أن يتيمّم، فلو كان الوضوء واجباً على من جاء من الغائط، ومن لم يجيء؛ فإنّ التيمّم أولى بالوجوب، فإنّ كثيراً من الفقهاء يوجبون التيمّم لكلّ صلاة، وعلى هذا لا تأثير للمجيء من الغائط، فإنّه إذا قام إلى الصلاة، وجب الوضوء أو التيمّم، وإن لم يجيء من الغائط. ولو جاء من الغائط، ولم يقم إلى الصلاة، لا يجب عليه وضوء ولا تيمّم، فيكون ذكر المجيء من الغائط عبثاً على قول هؤلاء.
الوجه الثاني: أنّه ـ سبحانه ـ خاطب المؤمنين، لأنّ الناس كلّهم يكونون محدثين، فإنّ البول والغائط أمر معتاد لهم، وكلّ بني آدم محدث. والأصل فيهم:
الحدث الأصغر، فإنّ أحدهم من حين كان طفلاً، قد اعتاد ذلك، فلا يزال محدثاً. بخلاف الجنابة؛ فإنّها إنّما تعرض لهم عند البلوغ. والأصل فيهم: عدم الجنابة، كما أنّ الأصل فيهم: عدم الطهارة الصغرى. فلهذا قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم..﴾الآية، ثمّ قال:﴿وإن كنتم جنباً فاطّهروا ﴾، فأمرهم بالطهارة الصغرى مطلقاً، لأنّ الأصل أنّهم كلّهم محدثون قبل أن يتوضئوا، ثمّ قال:﴿وإن كنتم جنباً فاطّهروا﴾، وليس منهم جنب إلا من أجنب، فلهذا فرّق ـ سبحانه ـ بين هذا وهذا.