ورجّح أبو بكر الجصّاص: جواز تقديم بعض أعضاء الوضوء على بعض ـ وهو مذهب الحنفيّة(١)ـ، بل حكم ببطلان قول القائلين بإيجاب الترتيب، واستدلّ بما يلي:
؟ أوّلاً: أنّ القول بإيجاب الترتيب خروج عن إجماع السلف والفقهاء، لما روي عن عليّ، ـ رضي الله عنه ـ: " ما أبالي بأي أعضائي بدأت، إذا أتممت وضوئي "(٢)، وروي مثله عن عبد الله بن مسعود، وأبي هريرة ـ رضي الله عنهما ـ. قال: ولا يروى عن أحد من السلف والخلف ـ فيما نعلم ـ مثل هذا القول ( أي القول بالوجوب ).
وقد أجاب الشيخ عن ذلك بما نقله عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أنّ عليّاً إنّما أراد تقديم اليسرى على اليمنى، لأنّ مخرجهما من الكتاب واحد. بل قد ورد عن عليّ ما يفيد وجوب الترتيب، فقد قال الإمام أحمد:"حدّثني جرير عن قابوس، عن أبيه، أنّ عليّاً سئل، فقيل له: أحدنا يستعجل، فيغسل شيئاً قبل شيء؟ فقال: لا، حتّى يكون كما أمره الله ـ تعالى ـ "، فدلّ على أن التفصيل هو قول عليّ ـ رضي الله عنه ـ.
وكذلك ما روي عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ، إنّما هو بهذا المعنى(٣).
(٢) أخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال ( بيروت: المكتب الإسلامي ): ١/٢٠٥، برقم: ٢١٤. وفي سنده انقطاع. وأخرجه البيهقيّ في السنن الكبرى بسنده (١/٨٧)، عن زياد مولى بني مخزوم قال: جاء رجل إلى عليّ ـ رضي الله عنه ـ فسأله عن الوضوء، فقال: " أبدأ باليمين، أو بالشمال "، فأضرط به عليّ ( أي استخفّ به )، ثمّ دعا بماء، فبدأ بالشمال قبل اليمين. قال: ورواه حفص بن غيّاث، عن إسماعيل، عن زياد، قال: قال عليّ: " ما أبالي لو بدأت بالشمال قبل اليمين، إذا توضّات ".
(٣) ينظر: مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله ( المدينة: مكتبة الدار ): ١/ ١٠٠.