الصفا والمروة من شعائر الله..}[البقرة: ١٥٨]. وما لم يكن مرتبطاً، لم يجب فيه الترتيب، كقوله: ﴿ وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة..﴾[ البقرة : ٤٣ ]، ﴿ وأتمّوا الحجّ والعمرة لله..﴾[البقرة: ١٩٦]، و﴿ إنّما الصدقت للفقراء والمسكين..﴾[التوبة: ٦٠]، ﴿ واعلموا أنّما غنمتم من شي ء فأنّ لله خمسه..﴾[الأنفال: ٤١]، وشبه ذلك. وآية الوضوء من القسم الأوّل.
وأيضاً، فإنّ الترتيب يجوز أن يكون مراداً من جهة الابتداء، وفعله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ خرج امتثالاً للأمر، ولم يتوضأ قطّ إلا مرتّباً، فيكون تفسيراً للآية. لا سيّما ولو كان التنكيس جائزاً لفعله ولو مرّة، ليبيّن الجواز. وروى جابر ـ رضي الله عنه ـ أنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لمّا طاف واستلم الركن، ثمّ خرج وقال: "إنّ الصفا والمروة من شعائر الله. فابدؤوا بما بدأ الله به"، هذا لفظ النسائيّ(١)، فإمّا أن يكون اللفظ عامّاً، وإن كان السبب خاصّاً، فيكون حجّة من جهة العموم. وإمّا أن يكون خاصّاً، فإنّما وجب الابتداء بالصفا، لأنّ الله بدأ به في خبره؛ فلأن يجب الابتداء بالوجه الذي بدأ الله به في أمره، أولى. فعلى هذا، إذا نكّس فغسل يديه قبل وجهه، لم يحتسب به.."(٢).
؟ ثالثاً ـ ممّا استدلّ به الجصّاص على بطلان وجوب الترتيب في الوضوء ـ: حديث رفاعة بن رافع ـ رضي الله عنه ـ(٣)،

(١) أخرج الحديث بطوله: مسلم في كتاب الحجّ، باب حجّة النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: ص٣٠٠، برقم: ١٢١٨، بلفظ: (أبدأ). وفي السنن وغيرها: (نبدأ). وفي لفظ عند النسائيّ: ٢/٤١٣، برقم: ٣٩٦٨، بلفظ الأمر: ( ابدؤوا). وهي التي أشار إليها الشيخ. وهي عند الدارقطنيّ أيضاً: ٢/٢٥٤، برقم: ٨١.
(٢) شرح العمدة، كتاب الطهارة: ١/٢٠٣ ـ ٢٠٦، ( بتصرّف يسير).
(٣) هو الصحابيّ الجليل رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان الأنصاريّ الزرقيّ، أبو معاذ، شهد بدراً، مات في أوّل
ولاية معاوية ـ رضي الله عنه ـ. ( ينظر: التاريخ الكبير: ٣/٣١٩، والثقات: ٣/١٢٥).


الصفحة التالية
Icon