واختار القول الثاني: الطبريّ، والنحّاس. واحتجّ الطبريّ بأنّ مسح الأرجل ـ على القراءتين ـ له معنيان: عموم الرجلين بالماء، وخصوص بعضهما به. ثمّ دلّت السنّة الصحيحة على أنّ مراد الله من مسحهما: العموم، وكان لعمومهما بذلك معنى الغَسل والمسح، لأنّ في عموم الرجلين بمسحهما بالماء غسلهما. وفي إمرار اليد وما قام مقام اليد عليهما مسحهما..
ثمّ ساق الأدلّة من السنّة في وجوب غسل الأرجل(١).
وقال النحّاس مؤيّداً: " ومن أحسن ما قيل فيه: أنّ المسح والغَسل واجبان جميعاً. فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض. والغَسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب. والقراءتان بمنزلة آيتين "(٢).
ولم أر من المفسّرين من أهل السنّة من اختار القولين الأخيرين، إلا ما نُسب إلى الطبريّ من القول بالتخيير، ولا يصحّ عنه كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى..
والراجح: ما ذهب إليه عامّة أهل العلم من السلف وغيرهم لوجوه كثيرة، أهمّها:
١. قراءة النصب، فإنّها تدلّ دلالة قاطعة على وجوب الغَسل، ولا يمكن حملها على قراءة الخفض. بخلاف قراءة الخفض، فيمكن حملها على قراءة النصب من وجوه عدّة(٣)وإن كان بعضها لا يخلو من ضعف، منها:
أ- الإضمار، كأنّه قال: ( وأرجلكم غسلاً ).
ب- الخفض على الجوار، ولذلك نظائر في القرآن، وفي لغة العرب. فأمّا القرآن فمثل قوله تعالى: ﴿ يُرسَل عليكما شواظ من نارٍ ونحاسٍ فلا تنتصران ﴾ [الرحمن: ٣٥] على قراءة الجرّ(٤).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن : ٦/٩٢.
(٣) ينظر: مشكل إعراب القرآن: ١/٢١٩، ٢٢٠.
(٤) وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو. ( ينظر: السبعة في القراءات لابن مجاهد ( القاهرة: دار المعارف): ١/٢٤٢.