؟ ثانياً: أنّ قوله: ﴿ ولا جنباً.. ﴾ أفاد الجماع، وقوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط.. ﴾ أفاد الحدث، وقوله: ﴿ أو لمستم النساء..﴾ أفاد اللمس، والقُبلة، ونحو ذلك. فصارت ثلاث جُمل، لثلاثة أحكام. ولو كان المراد باللمس الجماع، لكان تكراراً ينزّه عنه كلام الله.
وقد أجاب الشيخ عن الأوّل: بأنّ الملامسة بمعنى الجماع، معروف عند العرب، كما بيّن ذلك ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ وغيره، وقالوا: " إنّ الله حييّ كريم، يكني بما شاء، عمّا شاء "(١). هذا على قول من قال: إنّ المراد بالملامسة، اللمس لشهوة فيما دون الجماع. أمّا من قال: إنّ المراد مطلق اللمس ولو لغير شهوة؛ فقد أجاب عن ذلك الشيخ بأنّ " خطاب الله تعالى في القرآن بذكر اللمس، والمسّ، والمباشرة للنساء، ونحو ذلك، لا يتناول ما تجرّد عن شهوة أصلاً، ولم يتنازع المسلمون في شيء من ذلك إلا في آية الوضوء. والنزاع فيها متأخر، فيكون ما أجمعوا عليه، قاضياً على ما تنازع فيه متأخّروهم.
وأمّا طريق الاعتبار: فإنّ اللمس المجرّد، لم يعلّق الله به شيئاً من الأحكام، ولا جعله موجباً لأمر، ولا منهيّاً عنه في عبادة، ولا اعتكاف، ولا إحرام، ولا صلاة، ولا صيام، ولا غير ذلك، ولا جعله ينشر حرمة المصاهرة، ولا يثبت شيئاً غير ذلك. بل هذا في الشرع، كما لو مسّ المرأة من وراء ثوبها، ونحو ذلك من المسّ الذي لم يجعله الله سبباً لإيجاب شيء، ولا تحريم شيء. وإذا كان كذلك؛ كان إيجاب الوضوء بهذا مخالفاً للأصول الشرعيّة المستقرّة، مخالفاً للمنقول عن الصحابة. وكان قولاً لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة، بل المعلوم من السنّة مخالفته.. "(٢)وإذا لم يجب الوضوء، كان عدم إيجاب التيمّم من باب أولى.
والراجح ـ والله تعالى أعلم ـ أنّ المراد بالملامسة: الجماع، وذلك لوجوه:

(١) ينظر: مجموع الفتاوى: ٢١/ ٢٣٧.
(٢) مجموع الفتاوى: ٢١/ ٢٣٨ ـ ٢٣٩.


الصفحة التالية
Icon