البقرة: ١٠٦]، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون. وفي حال الضعف، يكون الحكم: وجوب الصبر على الأذى. وبهذا التحقيق يتبيّن ضعف ما لهج به كثير من المفسّرين في الآيات الآمرة بالتخفيف، أنّها منسوخة بآية السيف. وليست كذلك، بل هي من المنسأ، بمعنى أنّ كلّ أمر ورد، يجب امتثاله في وقت ما، لعلّة توجب ذلك الحكم، ثمّ ينتقل بانتقال تلك العلّة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنّما النسخ: الإزالة حتّى لا يجوز امتثاله أبداً.. ".
إلى أن قال: وليس حكم المسايفة ناسخاً لحكم المسالمة، بل كلّ منهما يجب امتثاله في وقته "(١).
أمّا الطبريّ ـ رحمه الله ـ، فقد وافق الشيخ في القول بعدم النسخ، لكنّه خالف في التعليل. فقد أخرج بسنده، عن قتادة ـ رحمه الله ـ في قوله تعالى: ﴿.. فاعفُ عنهم واصفح إنّ الله يحب المحسنين ﴾ أنّه قال: " لم يؤمر يومئذٍ بقتالهم، فأمره الله ـ عزّ ذكره ـ أن يعفو عنهم ويصفح، ثمّ نسخ ذلك في ( براءة )، فقال: ﴿ قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون ﴾ [التوبة: ٢٩]، وهم أهل الكتاب، فأمر ـ جلّ ثناؤه ـ نبيه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أن يقاتلهم حتّى يسلموا، أو يقرّوا بالجزية " انتهى قول قتادة.
فعقّب الطبريّ على ذلك بقوله: " والذي قاله قتادة غير مدفوع إمكانه، غير أنّ الناسخ الذي لاشكّ فيه من الأمر، هو ما كان نافياً كلّ معاني خلافه الذي كان قبله. فأمّا ما كان غير نافٍ جميعه، فلا سبيل إلى العلم بأنّه ناسخ، إلا بخبر من الله ـ جلّ وعزّ ـ، أو من رسوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وليس في قوله: ﴿ قتلوا الذين لا يؤمنون بالله..﴾ دلالة على الأمر بنفي معاني الصفح والعفو عن اليهود "(٢).

(١) البرهان في علوم القرآن ( بيروت: دار المعرفة ): ٢/ ٤٢، ٤٣.
(٢) جامع البيان: ٤/٤٩٨، ٤٩٩.


الصفحة التالية
Icon