وهذا الذي ذكره الطبريّ ـ رحمه الله ـ، في معنى ما ذكره الشيخ، إلا أنّ الطبريّ يرى أن العفو والصفح عنهم يكون مع إقرارهم بالصّغار، وأدائهم الجزية، وذلك في غدرة همّوا بها، أو نكثة عزموا عليها، ما لم ينصبوا حرباً دون أداء الجزية، ويمتنعوا من الأحكام اللازمتهم، وليس في حال ضعف المسلمين كما ذكر الشيخ.
وقد جعل الشيخ حكم هذه الآية، كالتي في سورة البقرة، وهو قوله تعالى: ﴿ فاعفوا واصفحوا حتّى يأتي َ الله بأمره.. ﴾[البقرة: ١٠٩]، أمّا الطبريّ، فاختار النسخ في آية البقرة(١)، مع تشابه الآيتين.
وخالفه ابن الجوزيّ ـ رحمه الله ـ، فرأى عدم النسخ في آية البقرة، لأنّ الله لم يأمر بالعفو مطلقاً، بل إلى غاية، ومثل هذا لا يدخل في النسخ(٢).
واختار عامّة المفسّرين في الآيتين وما شابههما: النسخ. ثمّ اختلفوا في الناسخ، فاختار بعضهم أنّ الناسخ: آية السيف، وهو قوله تعالى: ﴿.. فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم..﴾[التوبة: ٥](٣).
واختار آخرون أنّ الناسخ: آية الصغار، وهو قوله تعالى:﴿ قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا
باليوم الآخر.. ﴾
إلى قوله: ﴿ صغرون ﴾[التوبة: ٢٩](٤).
وحجّة القائلين بالنسخ: أنّ الأمر السابق بالعفو والصفح، ينافي الأمر المتأخّر بالقتال، والإلزام بالجزية والصغار.

(١) السابق: ١/ ٥٣٦.
(٢) ينظر: المصفّى بأكفّ أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ ( بيروت: مؤسسة الرسالة ): ص١٦.
(٣) ينظر: الوجيز للواحديّ: ١/ ٣١٢، ومعالم التنزيل للبغويّ: ٣/٣١، ٣٢.
(٤) ينظر: الناسخ والمنسوخ في القرآن لابن حزم ( بيروت: دار الكتب العلميّة ): ١/٣٥، والمحرّر الوجيز لابن عطيّة: ٤/٣٨٩، والناسخ والمنسوخ للمقريّ ( بيروت: المكتب الإسلامي ): ص٣٣، وناسخ القرآن العزيز ومنسوخه لابن البارزي ( بيروت، مؤسسة الرسالة ): ص٣١.


الصفحة التالية
Icon