والجواب: أنّه لا منافاة بينهما، فالعفو والصفح إنّما يكون في حال الضعف والقلّة. والقتال يكون في حال القوّة والتمكّن. وليس في آيات الأمر بالقتال ما يدلّ على النسخ، ونفي معاني الصفح والعفو عند عدم القدرة على القتال. وإعمال جميع النصوص ـ عند الإمكان ـ أولى من إهمال بعضها.
وهذا هو القول الراجح، وهو الذي لا يسع المسلمين العمل إلا به. فإنّ إيجاب القتال على المسلمين في حال ضعفهم وقلّتهم، مع قوّة أعدائهم وكثرتهم؛ سبب لهلاكهم واستئصالهم، وهذا ما يشهد به واقع المسلمين اليوم.
والمقصود بالقتال: قتال الطلب. أمّا قتال الدفع، فذلك مشروع في كلّ وقت، لقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: " من قُتل دون ماله، فهو شهيد "(١).
زاد الترمذي: " ومن قتل دون دمه فهو شهيد "(٢).
وزاد أبو داود: " دون أهله "(٣)
١٦ ـ قوله تعالى: ﴿.. إنّما يتقبّلُ اللهُ مِن َ المتّقين ﴾[المائدة: ٢٧].
رجّح الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ المراد بالآية: أنّ الله " يتقبّل العمل ممّن اتّقى الله فيه.. فمن اتّقاه في عمل، تقبّله منه، وإن كان عاصياّ في غيره. ومن لم يتقه فيه، لم يتقبّله منه، وإن كان مطيعاً في غيره"(٤).

(١) أخرجه البخاريّ في كتاب المظالم، باب: من قاتل دون ماله: ٢/ ٨٧٧، برقم: ٢٣٤٨، ومسلم في كتاب
الإيمان، باب الدليل على أنّ من قصد أخذ مال غيره بغير حقّ: ص٤٤، برقم: ١٤١.
(٢) أخرجه في كتاب الديات، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد: ص٤٣٦، برقم: ١٤٢٢.
(٣) أخرجه في كتاب السنّة، باب في قتال اللصوص: ٥/٢٦٠، برقم: ٤٧٣٩، وصحّحه الألبانيّ بكماله كما في
صحيح الجامع الصغير وزياداته ( بيروت: المكتب الإسلامي ): ٥/٣٣٥، برقم: ٦٣٢١، ومشكاة المصابيح: ( بيروت: المكتب الإسلامي ): ٢/١٠٤٧، برقم: ٣٥٢٩.
(٤) الفتاوى الكبرى: ٢/٣٥٣، ٣٥٤ ( باختصار وتصرّف ). وينظر: ٤/٣٠٩. ومجموع الفتاوى: ٧/ ٤٩٥، و١٢/٤٨٣.


الصفحة التالية
Icon