وهذا هو مذهب أهل السنّة والجماعة بناء على أصلهم في الإيمان، ومرتكب الكبيرة. وأنّ الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات.
وقد ذكر الشيخ تنازع الناس في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب:
؟ الأوّل: مذهب أهل السنّة والجماعة، وهو الذي ذكره الشيخ.
؟ الثاني: مذهب الخوارج والمعتزلة، حيث قالوا: لا تقبل حسنة إلا ممّن اتّقاه مطلقاً، فلم يأت بكبيرة.
؟ الثالث: مذهب المرجئة. قالوا: إنّما يتقبّل الله ممّن اتّقى الشرك. فجعلوا أهل الكبائر داخلين في اسم المتّقين(١).
وتفصيل هذه المسألة، وذكر أدلّتها، محلّه كتب العقائد، وإنّما المقصود هنا الكلام على معنى الآية.
الدراسة، والترجيح:
انفرد الشيخ بالتنبيه على هذا المعنى دون سائر من تقدّمه من المفسّرين، حيث لم يصرّح به أحد منهم عند تفسير هذه الآية(٢). واكتفى أكثرهم بذكر الأقوال في المراد بالمتّقين.
وقد أجملها ابن الجوزيّ ـ رحمه الله ـ في قولين:
؟ أحدهما: الذين يتّقون المعاصي، وهو مروي عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ.
؟ الثاني: الذين يتّقون الشرك، وهو مروي عن الضحّاك(٣).
أمّا الزمخشريّ، فإنّه ـ على عادته في الدسّ لتقرير مذهب أهل الاعتزال ـ لمّا تكلّم عن معنى الآية، ختم ذلك بقوله: " وفيه دليل على أنّ الله ـ تعالى ـ لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متّقٍ، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم "(٤).
(٢) السبب في ذلك: أنّ الشيخ نظر إلى هذه الآية من جانب عقديّ بحت، في معرض الرد على المعتزلة القائلين بأنّ
الخشية توجب العموم. وقد أشار بعض المفسّرين من بعيد إلى المعنى الذي ذكره الشيخ دون أن يصرّحوا به (ينظر: جامع البيان للطبريّ: ٤/٥٣١، والنكت والعيون للماوردي ( بيروت: دار الكتب العلميّة ): ٢/٢٨).
(٣) ينظر: زاد المسير: ص٣٧٤.
(٤) الكشّاف: ١/٣٣٣. وقوله: " فما أنعاه.. " لعلّه إشارة إلى بطلان عمل من أصرّ على المعاصي، ولا سيّما الكبائر،
ومات على ذلك، كما هو مذهب المعتزلة.