وقد تنبّه لذلك أبو حيّان ـ رحمه الله ـ، فقال ـ بعد أن نقل قول الزمخشريّ ـ: " انتهى كلامه، ولم يخلُ من دسيسة الاعتزال على عادته "(١).
وقد نحا الواحديّ ـ رحمه الله ـ منحى الزمخشريّ، فقال في تفسير هذه الآية: " إنّما يتقبّل الله من المتّقين للمعاصي، لا من العاصين "(٢). وهو كلام مجمل، قد يفهم منه مذهب أهل الاعتزال.
وحجّتهم في ذلك: أنّ الخشية توجب العموم، فهي مانعة من جميع الذنوب، لا من بعضها، فمن أصرّ على ذنب، كان ذلك دليلاً على عدم الخشية. وبنوا على ذلك: أنّ أصحاب الكبائر يخلّدون في النار، ولا يخرجون منها بشفاعة، ولا غيرها. وعندهم يمتنع أن يكون الرجل الواحد ممّن يعاقبه الله، ثمّ يثيبه، ولهذا يقولون بحبوط جميع الحسنات بالكبيرة.
وقد أجاب الشيخ عن قولهم: إنّ الخشية توجب العموم بجوابين:
؟ أحدهما: أنّ العاصي قد يعلم قبح أحد الذنبين دون الآخر، وإنّما يتوب ممّا يعلم قبحه.
؟ والثاني: أنّه قد يعلم قبحها، ولكن هواه يغلبه في أحدهما دون الآخر؛ فيتوب من هذا دون ذاك، كمن أدّى بعض الواجبات دون بعض، فإنّ ذلك يقبل منه"(٣).
وما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ هو الصحيح، وهو مقتضى قول أهل السنة والجماعة، وسلف الأمّة.
(٢) الوجيز: ٣/٤٧٦.
(٣) الفتاوى الكبرى: ٢/٣٥٣.