وأمّا من قال: إنّ المراد بالمتّقين في هذا الموضع: الذين يتّقون الشرك؛ فإنّ ذلك لو كان صحيحاً، لكان قابيل القاتل داخلاً في زمرة المتّقين، فإنّه ـ باتّفاق ـ لم يكن مشركاً. وإنّما ظهر الشرك في الأرض، في زمن نوح ـ عليه السلام ـ كما جاء ذلك في الآثار(١).
وأمّا من قال إنّ المراد: الذين يتّقون المعاصي، فهو قول مجمل، يحتمل جميع المعاصي والذنوب، صغيرها وكبيرها. وهذا يفضي إلى اشتراط العصمة في حقّ غير الأنبياء، ولم يقل به أحد من أهل السنّة.
ويحتمل أن يكون المراد: كبائر الذنوب، وأنّ من أصرّ على شيء منها فهو كافر عند الخوارج. وفي منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة. وفي الآخرة مخلّد في نار جهنّم عند الطائفتين. وهذا القول مخالف لإجماع أهل السنّة والجماعة على أنّ مرتكب الكبيرة، المصرّ عليها، لا يخرج عن دائرة الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وأنّه في الآخرة تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذّبه.
ومن الأدلّة على ذلك: حديث الرجل الذي يلقّب حماراً(٢)

(١) أخرج الطبريّ ـ رحمه الله ـ في تفسيره (٢/٣٧٤)، عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ أنّه قال: " كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلّهم على شريعة من الحقّ، فاختلفوا، فبعث الله النبيّين مبشّرين ومنذرين". وأخرجه الحاكم في مستدركه بلفظ مقارب(٢/٤٨٠)، وقال: " حديث صحيح على شرط البخاريّ، ولم يخرّجاه".
(٢) صحابيّ جليل. و"حمار" باسم الحيوان المعروف كان لقبه، واسمه عبد الله، كان كثير الفكاهة والمزاح ( ينظر: الإصابة
١/٣٥١).


الصفحة التالية
Icon