المسألة الأولى: حقيقة المحاربة، وهل يشترط أن تكون في الصحراء؟:
رجّح الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ حكم المحاربين في البنيان وفي الصحراء واحد.
قال: " ولو شهروا السلاح في البنيان ـ لا في الصحراء ـ لأخذ المال، فقد قيل: إنّهم ليسوا محاربين، بل هم بمنزلة المختلس والمنتهب، لأنّ المطلوب يدركه الغوث إذا استغاث بالناس. وقال أكثرهم: إنّ حكمهم في البنيان والصحراء واحد.. بل هم في البنيان أحقّ بالعقوبة منهم في الصحراء.. وهذا هو الصواب"(١).
وذكر الشيخ أنّ هذا القول هو قول مالك ـ في المشهور عنه ـ(٢)، والشافعيّ(٣)، وأكثر أصحاب أحمد(٤)، وبعض أصحاب أبي حنيفة(٥).
واحتجّ الشيخ بما يلي:
١. أنّ البنيان محلّ الأمن والطمأنينة، ومحلّ تناصر الناس وتعاونهم، فإقدامهم عليه يقتضي شدّة المحاربة والمغالبة.
٢. ولأنّهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، والمسافر لا يكون معه ـ غالباً ـ إلا بعض ماله(٦).
والقول الثاني، قول أبي حنيفة(٧)، وسفيان(٨)، وإسحق(٩)،
(٢) ينظر: المدوّنة الكبرى ( بيروت: دار صادر ): ١٦/٣٠٢.
(٣) ينظر: الأمّ: ٤/٢٣٠.
(٤) ينظر: المغني لابن قدامة: ١٢/٤٧٤.
(٥) ينظر: أحكام القرآن للجصّاص: ٢/٤١٣.
(٦) ينظر: السياسة الشرعية: ص٦٦.
(٧) ينظر: المبسوط للسرخسي ( بيروت: دار المعرفة ): ٩/٢٠١.
(٨) أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب، الثوريّ الكوفيّ المجتهد، سيّد العلماء في زمانه، فاق عدد
شيوخه الستّ مئة، حدّث عنه خلق منهم: الأعمش، وجعفر الصادق، مات سنة إحدى وستين ومئة. ( ينظر: مشاهير علماء الأمصار: ص١٦٩، وسير أعلام النبلاء: ٧/٢٢٩ ).
(٩) إسحق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن راهويه، سيّد الحفّاظ، أبو يعقوب، سمع من ابن المبارك، والفضيل بن
عياض. حدّث عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، مات سنة ثمان وثلاثين ومئتين. ( ينظر: طبقات الحنابلة (بيروت: دار المعرفة ): ١/١٠٩، وسير أعلام النبلاء: ١١/٣٥٨ ).