قال أبو بكر الجصّاص ـ رحمه الله ـ موضّحاً وجه الاستدلال بهذا الحديث: ".. فنفى ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قتل من خرج عن هذه الوجوه الثلاثة، ولم يخصّص فيه قاطع طريق، فانتفى بذلك قتل من لم يقتل من قطّاع الطريق. وإذا انتفى قتل من لم يقطع، وجب قطع يده ورجله إذا أخذ المال، وهذا لا خلاف فيه.. "(١).
٣. أنّ ( أو ) في القرآن تأتي لمعان عدّة، فتأتي للتخيير المطلق، كما في كفّارة اليمين،(٢)وكفّارة الأذى(٣). وتأتي للتفصيل والتفريق، كقوله تعالى: ﴿ وقالوا كونوا هوداً أو نصرى
تهتدوا.. ﴾[البقرة: ١٣٥](٤)، وهذا نظير ما ورد في آية المحاربة(٥).
٤. السياق؛ فإنّه بدأ بالأثقل، ثمّ الأخفّ. ولو كانت ( أو ) للتخيير؛ لبدأ بالأخفّ، كما في كفّارة اليمين، والأذى.
واحتجّ القائلون بالتخيير، بما يلي:
١. ما أخرجه ابن جرير بسنده، إلى ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ أنّه قال في قوله
تعالى: ﴿ إنّما جز ؤا الذين يحاربون الله ورسوله.. ﴾: " من شهر السلاح في قبّة الإسلام، وأخاف السبيل، ثمّ ظُفر به، وقُدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار، إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله "(٦).
٢. أنّ الله رتّب الحكم في الآية على المحاربة والفساد، والفساد وحده موجب للقتل، كما في قوله تعالى: ﴿.. من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً ﴾ [المائدة: ٣٢]، ومع المحاربة أشدّ(٧).
٣. ظاهر الآية، فإنّ ظاهرها يدلّ على التخيير، وصرف الآية عن ظاهرها يحتاج إلى دليل، ولا دليل.
(٢) الآية التاسعة والثمانون من سورة المائدة.
(٣) الآية السادسة والتسعون بعد المئة من سورة البقرة.
(٤) ينظر: مغني اللبيب لابن هشام ): ص٩٢، ٩٥.
(٥) ينظر: زاد المسير: ٢/٣٤٥.
(٦) جامع البيان: ٤/٥٥٥.
(٧) ينظر: أحكام القرآن لابن العربيّ: ٢/٦٠٠.