قالوا: وليس المراد بالتخيير: تخيير شهوة ومشيئة، وإنّما تخيير رأي ومصلحة.
وقد أجاب القائلون بالترتيب والتفصيل عن هذه الأدلّة بما يلي:
؟ أوّلاً: ما روي عن ابن عبّاس في التخيير، قد روي عنه مثله في التفصيل، فقد أخرج ابن جرير بسنده، عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ في قوله تعالى: ﴿ إنّما جز ؤا.. ﴾، قال: " إذا حارب فقتل، فعليه القتل إذا ظُهر عليه قبل توبته. وإذا حارب وأخذ المال وقتل، فعليه الصلب إن ظُهر عليه قبل توبته، وإذا حارب، وأخذ، ولم يقتل، فعليه قطع اليد والرجل من خلاف إن ظُهر عليه قبل توبته. وإذا حارب، وأخاف السبيل، فإنّما عليه النفي "(١).
؟ ثانياً: قولهم: إنّ ظاهر الآية يدلّ على التخيير، غير مسلّم، بدليل أنّه بدأ بالأثقل، ولو أراد التخيير، لبدأ بالأخفّ، كما هي عادة القرآن في آيات التخيير(٢)
؟ ثالثاً: قولهم: إنّ الله رتّب الحكم على المحاربة والفساد، والفساد وحده موجب للقتل.. فالجواب عنه من وجهين:
ـ أحدهما: أنّ المراد بالفساد في الأرض: الذي يكون معه قتل، أو قتله في حال إظهار الفساد على وجه الدفع، والكلام هنا إنّما هو فيمن صار في يد الإمام قبل أن يتوب، ولم يَقتل، هل للإمام أن يقتله؟.
ـ والثاني: أنّ الفساد في الأرض لو كان وحده موجباً للقتل، لما جاز العدول عنه إلى النفي. فلمّا جاز ذلك عند الجميع، دلّ على أنّ الفساد وحده غير موجب للقتل(٣).
والراجح: ما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ من التوسّط، وأنّ ( أو ) ليست للتخيير المطلق ( تخيير شهوة ومشيئة )، ولا للترتيب، وإنّما هي لتخيير الرأي والمصلحة.
ويجاب عن أدلّة القائلين بالترتيب بما يلي:
؟ أوّلاً: ما أخرجه ابن جرير، عن أنس من سؤال النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ جبريل القضاء فيمن حارب.. لا يصحّ سنداّ، ولا متناً.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى: ١٦/٧٥.
(٣) ينظر: أحكام القرآن للجصّاص: ٢/٤١١.