وأخرجه بعض أهل السنن، عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ مرفوعاً: " لا يحلّ دم امرىء مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله، إلا في ثلاث: رجل زنى بعد إحصان، فإنّه يرجم. ورجل خرج محارباً لله ورسوله، فإنّه يقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض. أو يقتل نفساً، فيُقتل بها "(١).
ولا تعارض بين اللفظين؛ فإنّ المحارب لله ورسوله، تارك لدينه، مفارق للجماعة. وإنّما لم يذكر في الحديث الثاني قطع الأيدي والأرجل من خلاف؛ لأنّه لم يذكر سببه، وهو السعي في الأرض بالفساد، واقتصر على ذكر من خرج محارباً لله ورسوله، فإنّ ذلك وحده موجب لإحدى الثلاث المذكورة، والتي منتهاها الموت وإباحة الدم.
وقد دلّ هذا الحديث، بهذا اللفظ، على التفريق بين المحارب لله ورسوله، والساعي في الأرض بالفساد. فإنّ المحارب لله ورسوله لا يكون إلا كافراً مرتدّاً، لا سيّما مع الإصرار والاستمرار، كما يفيده لفظ الآية ( يحاربون ). أمّا السعي في الأرض بالفساد، فلا يلزم أن يكون صاحبه كافراً مرتدّاً، لكن من جمع بين المحاربة والفساد، مع الإصرار عليهما، فقد بلغ غاية الكفر، واستحقّ أشدّ العقوبات، والله تعالى أعلم.
فتبيّن ممّا سبق أنّ قتل المحارب لله ورسوله، ولو لم يَقْتل، ليس فيه تقدّم على الله ورسوله كما قالوا، بل هو مقتضى كلام رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وما يدلّ عليه ظاهر القرآن.

(١) أخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتدّ : ٥/٦٣، برقم : ٤٣٥٣، والنسائيّ في كتاب القسامة،
باب سقوط القود من المسلم للكافر: ٨/ ٢٣، برقم: ٤١٨٧. وصحّحه الألبانيّ، كما في صحيح الجامع الصغير: ٦/٢٢٠، برقم: ٧٥١٨.


الصفحة التالية
Icon