؟ ثالثاً: قولهم: إنّ ( أو ) تأتي لمعان، وأنّها هنا نظير قوله تعالى: ﴿ كونوا هوداً أو نصرى ﴾ [البقرة: ١٣٥]، فإنّ ذلك قياس مع الفارق، فإنّ الجمع بين بعض العقوبات الأربع جائز عند بعضهم، بخلاف قوله ( كونوا هوداً أو نصارى.. )، فإنّ الجمع فيه ممتنع(١)، فدلّ ذلك على اختلاف معنى ( أو ) في الآيتين.
والعجب من الطبريّ ـ رحمه الله ـ، فإنّه لمّا ذكر رأيه في تأويل الآية، وأنّ القول بالتخيير مخالف لما صحّت به الآثار عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من قوله: " لا يحلّ دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث.."(٢)، وقوله: " القطع في ربع دينار فصاعداً "(٣)، عقّب على ذلك بقوله: " فإن قال قائل: فإنّ هذه الأحكام التي ذكرت [ أي في
هذين الحديثين ] كانت عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في غير المحارب، وللمحارب حكم غير ذلك منفرد به. قيل له: فما الحكم الذي انفرد به المحارب في سننه؟ فإن ادّعى عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ حكماً خلاف الذي ذكرناه، أكذبه جميع أهل العلم، لأنّ ذلك غير موجود بنقل واحد، ولا جماعة "(٤).
وكأنّه ـ رحمه الله ـ لم يطّلع على حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ السابق(٥)، حيث خُصّ المحارب ببعض الأحكام المذكورة في الآية.

(١) ينظر: البحر المحيط لأبي حيّان: ١/٥٧٧.
(٢) سبق تخريجه قريباً.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ( بيروت: دار الآفاق الجديدة ): ٢/٨٣٢، برقم: ١٥٢٠، وابن حبّان في صحيحه: ١٠/٣١٣، برقم: ٤٤٦٢، والبيهقيّ في سننه: ٨/٢٦٢، كلّهم موقوفاً على عائشة، وروي مرفوعاً بلفظ: " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً " أخرجه البخاريّ في صحيحه في كتاب الحدود، باب: قول الله تعالى:﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما..﴾[المائدة: ٣٨]: ٦/٢٤٩١، برقم : ٦٤٠٧. ومسلم في كتاب الحدود، باب حدّ السرقة ونصابها : ص٤٣٨، برقم: ١٦٨٤.
(٤) جامع البيان: ٤/٥٥٦.
(٥) ينظر تخريجه: ص ٢١١.


الصفحة التالية
Icon