٢. أنّ هذا المعنى هو الذي تدلّ عليه نصوص الكتاب والسنّة. فأمّا الكتاب؛ فإنّ الله قد ذكر السجن في غير موضع من كتابه، ولم يسمّه نفياً، ولا قال أحد من المفسّرين إنّه بمعنى النفي.
وأمّا السنّة، فقد ورد ذكر النفي فيها في مواضع عدّة، كلّها بمعنى التغريب، والإبعاد، والإخراج، كنفي الزاني غير المحصن، وقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عن المدينة إنّها: ".. تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد "(١).
وفي رواية لمسلم: " إنّ المدينة كالكير، تخرج الخبيث.. ".
ولم يرد النفي في السنّة بمعنى السجن ـ حسب علمي واطّلاعي ـ.
ويجاب عمّا احتجّ به الأوّلون بما يلي:
ــ أوّلاً: قول من قال: إنّه يطلب أبداً بالخيل والرجل، حتّى يؤخذ فيقام عليه الحدّ، أو يخرج
من دار الإسلام، مردود من وجوه:
١. أحدها: أنّ هذا القول مبنيّ على أنّ النفي قبل القدرة عليه، وظاهر الآية يدلّ على أنّ النفي إنّما يكون بعد القدرة عليه، بدليل أنّ الصلب والقطع، لا يكونان إلا بعد القدرة، فكذلك النفي.
٢. الثاني: قولهم: "يطلب أبداً.." فيه من المشقّة والعنت على وليّ الأمر ما لا يخفى على متأمّل، لا سيّما مع تفرّق الرعيّة، وتوسّع الرقعة الإسلاميّة. وقد يتخفّى، فلا يتمكّن من طلبه، فلا يكون للنفي ـ حسب قولهم ـ معنى.
٣. الثالث: قولهم: "حتّى يؤخذ فيقام عليه الحدّ.."، يدلّ على أنّ النفي عندهم مقدّم على ما سبقه من القتل والصلب والقطع، وهذا خلاف الظاهر من الآية، وخلاف رأي الجمهور كما تقدّم.
٤. الرابع: قولهم: " أو يخرج من دار الإسلام.."، فيه ما لا يخفى من تعريض المسلم للردّة، واللحاق بدار الحرب، ثمّ مآله أن يكون حربيّاً، مشاقّاً لله ورسوله.
ومسلم في كتاب الحجّ، باب: المدينة تنفي شرارها: ص٣٣٩، برقم: ١٣٨٢.