ويجاب عن القول الثاني، بمثل ما أجيب عن القول الأوّل، سوى قولهم إنّه لا يُخرج من دار الإسلام.
ـ ثانياً: قول من قال: إنّه ينفى من البلد الذي أحدث فيه، إلى غيره، ويحبس فيه، كالزاني.. مردود من وجوه:
١. أحدها: أنّ هذا القول لا دليل عليه من كتاب، ولا سنّة. والزاني إنّما ورد نفيه وتغريبه، ولم يرد سجنه.
٢. الثاني: أنّ النفي إخراج وإبعاد ـ كما سبق ـ، والحبس إثبات وتقييد، والجمع بينهما في غاية التناقض.
٣. الثالث: أنّه لا فرق بين سجنه في بلده، أو في أيّ بلد آخر. فإن فسّروا النفي بالسجن، فسجنه في بلده أيسر وأسهل. وإن فرّقوا بينهما، فقد جمعوا بين متفرّقين، وذلك تناقض كما سبق.
ـ ثالثاً: قول من قال: إنّ النفي هو السجن.. يجاب عنه بما سبق، ويضاف إليه ما يلي:
١. أنّ السجن لم يكن موجوداً في زمن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وإنّما أحدث في زمن عمر ـ رضي الله عنه ـ(١)، فهو أوّل من حبس في السجن، في الإسلام(٢)، وقد كان النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إذا أراد حبس رجل، ربطه في سارية المسجد، كما فعل بثمامة بن أثال(٣).

(١) أخرج ذلك البيهقيّ في سننه: ٦/٣٤. وقد نصّ الشيخ على ذلك، فقال: " والنبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لم يكن له حبس، ولا لأبي بكر. بل أوّل من اتّخذ السجن: عمر. وكان النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يسلّم الغريم إلى غريمه، ويقول: " ما فعل أسيرك؟ ". فيجعله أسيراً معه حتّى يقضيه حقّه، وهذا هو المطلوب من الحبس " مجموع الفتاوى: ١٥/ ١٣٦. وهذا إنّما هو في حقوق العباد، وأمّا في العقوبات، فلم يرد عنه شيء في ذلك.
(٢) ينظر: مصنّف عبد الرزّاق ( بيروت: المكتب الإسلامي ): ٥/١٤٨، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٦/١٥٣.
(٣) أخرجه البخاريّ في أبواب المساجد، باب دخول المشرك المسجد: ١/١٧٩، برقم: ٤٥٧.
وثمامة بن أثال هو ابن النعمان بن مسلمة الحنفيّ، أبو أمامة، سيّد أهل اليمامة. وقصّة إسلامه مشهورة في الصحيح. ذكر ابن إسحق أنّ ثمامة ثبت على إسلامه لمّا ارتدّ أهل اليمامة، ولحق هو ومن اتّبعه بالعلاء بن الحضرميّ لمّا مرّ بهم متوجّهاً إلى البحرين لمقاتلة المرتدّين، وقتل هناك. ( ينظر: الإصابة مع الاستيعاب: ١/٢٠٤، ٢٠٥ ).


الصفحة التالية
Icon