وقد انفرد ابن العربيّ ـ رحمه الله ـ، فرجّح أنّ المراد بصيغة الجمع في الآية: حقيقة الجمع، وأنّ المراد بقوله: ( أيديهما ): الأيدي والأرجل معاً.. ! وقد بدأ حديثه عن هذه المسألة ـ بعد أن ذكر أنّها مسألة عظيمة الإشكال لغة لا فقهاً ـ بسؤال طرحه، ثمّ أجاب عنه، قال: " فإن قيل: كيف قال: ( فاقطعوا أيديهما )، وإنّما هما يمينان؟. قلت: لمّا توجّه هذا السؤال، وسمعه الناس؛ لم يحل أحد منهم بطائل من فهمه. أمّا أهل اللغة، فتقبّلوه، وتكلّموا عليه. وتابعهم الفقهاء على ما ذكروه حُسْنَ ظنٍ بهم، من غير تحقيق لكلامهم.. ".
فذكر الأقوال، ثمّ عقّب على ذلك بقوله: " فهذا منتهى ما تحصّل لي من أقوالهم، وقد تتقارب وتتباعد، وهذا كلّه بناء على ما أشرنا إليه عنهم.. من أنّهم بنوا الأمر على أنّ اليمين وحدها هي التي تقطع، وليس كذلك، بل تقطع الأيدي والأرجل، فيعود قوله ( أيديهما ) إلى أربعة، وهي جمع في الاثنين، وهما تثنية، فيأتي الكلام على فصاحته، ولو قال: ( فاقطعوا أيديهم ) لكان وجهاً، لأنّ السارق والسارقة لم يرد بهما شخصين خاصّة، وإنّما هما اسما جنس، يعمّان ما لا يحصى، إلا بالفعل المنسوب إليه، ولكنّه جمع لحقيقة الجمع فيه "(١).
والراجح ما ذهب إليه عامّة المفسّرين، ورجّحه الشيخ، من أنّ المراد بالجمع في هذه الآية: التثنية، بدلالة الوضع العربيّ، واستعمال القرآن، ويؤيّد ذلك: قراءة ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: ( والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم )(٢)، فدلّ على أنّ المراد بالأيدي: الأيمان خاصّة، فقوله ( أيديهما ) يراد به: يمين السارق، ويمين السارقة.

(١) أحكام القرآن: ٢/٦١٥، ٦١٦. ( باختصار يسير ).
(٢) أخرجه البيهقيّ في السنن الكبرى، في كتاب السرقة، باب السارق يسرق أوّلاً: ٨/٢٧٠. وينظر: البحر المحيط: ٣/ ٤٩٤.


الصفحة التالية
Icon