وهذه القراءة، وإن كانت شاذّة، إلاّ أنّها مفسّرة للقراءة الثابتة(١).
وأمّا ما رجّحه ابن العربيّ ـ رحمه الله ـ، فلم يوافقه عليه أحد من المفسّرين، سوى القرطبيّ ـ رحمه الله ـ، فإنّه حكى قوله، ولم يتعقّبه بشيء(٢).
وهذا الذي ذهب إليه ابن العربيّ مردود من وجوه:
؟ أحدها: أنّه مخالف لما عليه عامّة المفسّرين ـ كما سبق ـ، بل قد ذكر أبوحيّان
ـ رحمه الله ـ الإجماع على أنّ المراد بالأيدي: الأيمان(٣).
؟ الثاني: أنّ مقتضى الآية على قوله أنّ يدي السارق تقطعان جميعاً في المرّة الأولى، لما تدلّ عليه الفاء من أنّ السرقة علة لوجوب القطع المذكور. وهذا خلاف ما عليه إجماع الأمّة، من أنّ السارق في المرّة الأولى، تقطع يده اليمنى فقط(٤).
؟ الثالث: أنّ الأمّة مختلفة فيما إذا عاد السارق، فسرق بعد قطعه في المرّة الأولى، هل تقطع يده اليسرى، أو رجله اليسرى، أو يكتفى بتعزيره وحبسه: ثلاثة أقوال، أصحّها الثاني، لوجوه:
١. ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قال في السارق: " إن سرق فاقطعوا يده، ثمّ إن سرق فاقطعوا رجله"(٥).
٢. أنّه في الحرابة الموجبة لقطع عضوين، تقطع يده ورجله، ولا تقطع يداه، فكذلك هنا، تقطع يده ثمّ رجله.

(١) قد ذكر الشيخ ـ رحمه الله أنّ القراءة الشاذّة إذا صحّ النقل بها عن الصحابة، فإنّه يجوز الاستدلال بها في الأحكام، كما نقل ابن عبد البرّ إجماع العلماء على ذلك. ( ينظر: مجموع الفتاوى: ٣٤/ ٤٣ ).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: ٦/١٧٣، ١٧٤.
(٣) ينظر: البحر المحيط: ٣/٤٩٤.
(٤) ينظر: المغني لابن قدامة: ١٢/٤٤٠.
(٥) أخرجه الدار قطنيّ في كتاب الحدود والديات ( بيروت: دار المعرفة ): ٣/ ١٨١، برقم: ٢٩٢. وصحّحه الألبانيّ، كما في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل ( بيروت: المكتب الإسلامي ): ٨/٨٥، ٨٦.


الصفحة التالية
Icon